كان منهم من الصبر والمضي في الطريق، حتى جاءهم نصر اللّه. ليقرر أن هذه هي سنة الدعوات التي لا تتبدل، ولا يغير منها اقتراحات المقترحين، كما أنها لا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق: «ولقدْ كذّبتْ رسلٌ منْ قبْلك، فصبروا على ما كذّبوا وأوذوا حتّى أتاهمْ نصْرنا، ولا مبدّل لكلمات اللّه، ولقدْ جاءك منْ نبإ الْمرْسلين» ..
إن موكب الدعوة إلى اللّه موغل في القدم، ضارب في شعاب الزمن، ماض في الطريق اللاحب، ماض في الخط الواصب .. مستقيم الخطى، ثابت الأقدام. يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل، ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة، وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء
والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد .. والعاقبة هي العاقبة، مهما طال الزمن ومهما طال الطريق .. إن نصر اللّه دائما في نهاية الطريق: «ولقدْ كذّبتْ رسلٌ منْ قبْلك، فصبروا على ما كذّبوا وأوذوا حتّى أتاهمْ نصْرنا، ولا مبدّل لكلمات اللّه، ولقدْ جاءك منْ نبإ الْمرْسلين» ..
كلمات يقولها اللّه - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - .. كلمات للذكرى، وللتسرية وللمواساة، والتأسية .. وهي ترسم للدعاة إلى اللّه من بعد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - طريقهم واضحا، ودورهم محددا، كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته، ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق ... إنها تعلمهم أن سنة اللّه في الدعوات واحدة. كما أنها كذلك وحدة. وحدة لا تتجزأ .. دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب، وتتلقى أصحابها بالأذى .. وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى ..
وسنة تجري بالنصر في النهاية .. ولكنها تجيء في موعدها. لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب، ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين الأبرياء الطيبين! ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته ومن شهواته إنما يرغب في هداية قومه حبا في هدايتهم، ويأسى على ما هم فيه من ضلال وشقوة، وعلى ما ينتظرهم من دمار