[النساء:114] إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [1] ،أَوْ سَعْيًا فِي إِصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ بَيْنَ أنَاسٍ مُخْتَلِفِينَ مُتَخَاصِمِينَ. وَمَنْ يَفُعْلْ هَذِهِ الأَعْمَالَ الثَّلاَثَةَ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَرْضَاتِهِ لاَ يَبْغِي ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ اللهِ، فَسَوْفَ يُثِيبُهُ اللهُ ثَوَابًا جَزِيلًا كَثِيرًا. [2]
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» [3]
ويجوز الكذب في الإصلاح بين الناس، فينقل لكل من الطرفين أن الآخر يثني عليه أو يريد أن يأتيه أو غير ذلك، والأولى استخدام المعاريض، فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم،أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم،وَهُوَ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" [4] ."
وكما ترى من الأدلة السابقة فإن الإصلاح بين الناس فضيلة عظيمة، ذلك لأن الخلافات والعداوات بين الناس من أعظم ما يهدد وحدة الجماعة المسلمة، حتى سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحالقة» ،فعَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَلِيدِ، أَنَّ مَوْلًى لِلزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" [5] ،والبغضاء تحلق الدين لأن كثيرا من الوظائف الدينية لا تقوم إلا بالجماعة.
(1) - المعجم الكبير للطبراني (23/ 243) (484) حسن
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:607،بترقيم الشاملة آليا)
(3) - الزهد لهناد بن السري (2/ 611) صحيح
(4) - صحيح مسلم (4/ 2011) 101 - (2605)
(5) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 664) (2510) صحيح لغيره