آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم {لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا الْيهود والّذين أشْركوا ولتجدنّ أقْربهمْ مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى} يعني وفد النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع. وقال سعيد بن جبير: وأنزل الله فيهم أيضا {الّذين آتيْناهم الْكتاب منْ قبْله همْ به يؤْمنون} إلى قوله: {أولئك يؤْتوْن أجْرهمْ مرّتيْن} إلى آخر الآية. وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية وستون من أهل الشام. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم." [1] "
وعن ابْن الزّبيْر، قال: نزلتْ هذه الآية {وإذا سمعوا ما أنْزل إلى الرّسول ترى أعْينهمْ تفيض من الدّمْع} قال: نزلتْ في النّجاشيّ، وأصْحابه [2] .
وهذا الذي نقرره في معنى هذا النص والذي يدل عليه السياق بذاته، وتؤيده هذه الروايات التي أسلفنا، هو الذي يتفق مع بقية التقريرات في هذه السورة وفي غيرها عن موقف أهل الكتاب عامة - اليهود والنصارى - من هذا الدين وأهله. كما أنه هو الذي يتفق مع الواقع التاريخي الذي عرفته الأمة المسلمة خلال أربعة عشر قرنا.
إن السورة وحدة في اتجاهها وظلالها وجوها وأهدافها وكلام اللّه سبحانه لا يناقض بعضه بعضا. «ولوْ كان منْ عنْد غيْر اللّه لوجدوا فيه اخْتلافًا كثيرًا» .. وقد وردت في هذه السورة نفسها نصوص وتقريرات، تحدد معنى هذا النص الذي نواجهه هنا وتجلوه .. نذكر منها: «يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الْيهود والنّصارى أوْلياء، بعْضهمْ أوْلياء بعْضٍ، ومنْ يتولّهمْ منْكمْ فإنّه منْهمْ، إنّ اللّه لا يهْدي الْقوْم الظّالمين» ..
(1) - تفسير القرطبي - دار عالم الكتب، الرياض [6/ 255]
(2) - كشف الأستار [3/ 286] (2758) صحيح