هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ، لَا يُحَوَّلُ الْكِتَابُ عَنْ ظَالِمٍ وَلَا آثِمٍ، وَأَنَّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ بِالْمَدِينَةِ أُمِّنَ أَبَرَّ الْأَمْنِ، إِلَّا ظَالِمًا وَآثِمًا، وَأَنَّ أَوْلَاهُمُ بِهَذِهِ الصَّحِيفَةِ الْبَرُّ الْمُحْسِنُ» [1]
وَأَمَّنَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِنَفْسِهِ. فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ، وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ، وَأَزْوَاجُهُنَّ حِينَ أَسْلَمْنَ كُفَّارٌ. مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ. فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ. بِرِدَاءِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. أَمَانًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ. وَدَعَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْإِسْلَامِ. وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ. فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ. وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ صَفْوَانُ عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِرِدَائِهِ، نَادَاهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ هَذَا وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِكَ. وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ. فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا قَبِلْتُهُ، وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ» فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بَلْ لَكَ تَسِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» فَخَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ. فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً وَسِلَاحًا عِنْدَهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا؟ فَقَالَ: «بَلْ طَوْعًا» ،فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ وَالسِّلَاحَ الَّذِي عِنْدَهُ. ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ كَافِرٌ فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، وَهُوَ كَافِرٌ، وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ. وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ" [2] "
وَلأَِنَّ الإِْمَامَ لإِِشْرَافِهِ عَلَى جَمِيعِ الأُْمُورِ الْعَامَّةِ أَعْرَفُ بِمَصَالِحِهَا مِنْ أَشْتَاتِ النَّاسِ، وَلأَِنَّ تَجْوِيزَهُ لِغَيْرِهِ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيل الْجِهَادِ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الإِْمَامِ [3] .
وَلأَِنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النبي صلى الله عليه وسلم بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم كَالتَّبْلِيغِ، وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَكُل مَا تَصَرَّفَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ صلى الله عليه وسلم؛وَلأَِنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الإِْمَامَةِ
(1) - الأموال لابن زنجويه (2/ 466) (750) صحيح مرسل
(2) - موطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 543) (44) صحيح مرسل
(3) - الْحَاوِي الْكَبِير 18/ 427، وتحفة الْمُحْتَاج 9/ 305، والمغني 8/ 461 - 462، وجواهر الإِْكْلِيل 1/ 269