وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْمِلُ اللّوَاءَ فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهِمْ قَامُوا عَلَى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنّبْلِ وَالْحِجَارَةِ وَاعْتَزَلَتْهُمْ قُرَيْظَةُ وَخَانَهُمْ ابْنُ أُبَيّ وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ غَطَفَانَ، وَلِهَذَا شَبّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قِصّتَهُمْ وَجَعَلَ مَثَلَهُمْ {كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكَ} [الْحَشْرُ 16] ،فَإِنّ سُورَةَ الْحَشْرِ هِيَ سُورَةُ بَنِي النّضِيرِ، وَفِيهَا مَبْدَأُ قِصّتِهِمْ وَنِهَايَتُهَا، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَطَعَ نَخْلَهُمْ وَحَرّقَ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهَا: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ الْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهَا بِنُفُوسِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَأَنّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ إلّا السّلَاحَ وَقَبَضَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم الْأَمْوَالَ وَالْحَلْقَةَ وَهِيَ السّلَاحُ وَكَانَتْ بَنُو النّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُخَمّسْهَا لِأَنّ اللّهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. وَخَمّسَ قُرَيْظَةَ. قَالَ مَالِكٌ: خَمّسَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قُرَيْظَةَ، وَلَمْ يُخَمّسْ بَنِي النّضِيرِ. لِأَنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا بِخَيْلِهِمْ وَلَا رِكَابِهِمْ عَلَى بَنِي النّضِير ِ كَمَا أَوْجَفُوا عَلَى قُرَيْظَةَ وَأَجْلَاهُمْ إلَى خَيْبَرَ، وَفِيهِمْ حَيّ بْنُ أَخْطَبَ كَبِيرُهُمْ وَقَبَضَ السّلَاحَ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَوَجَدَ مِنْ السّلَاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا، وَخَمْسِينَ بَيْضَةً وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، وَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ بَنِي الْمُغِيرَةِ فِي قُرَيْشٍ وَكَانَتْ قِصّتُهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ. [1]
وعن الْحَسَنَ، قال: إِنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تَشْفِيَنِي مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَحْزَابِ وَانْصَرَفَ إِلَى قُرَيْظَةَ فَحَاصَرَهُمْ، فَوَلِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ حُكْمَهُمْ، فَحَكَمَ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذَّرَارِيُّ، فَقَتَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَا شَاءَ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ مُقَاتِلَتِهِمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، ثُمَّ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ فِي جَنَازَتِهِ يَوْمَئِذٍ مُنَافِقُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَخَفَّهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيمَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: فِيمَا حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَهُمْ كَاذِبُونَ، وَقَدْ كَانَ سَعْدٌ كَثِيرَ اللَّحْمِ، عَبْلًا مِنَ الرِّجَالِ، عَظِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ: «يَقُولُونَ مَا أَخَفَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِرُوحِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» [2]
(1) - زاد المعاد - موافق للمطبوع (3/ 115)
(2) - سنن سعيد بن منصور (2/ 395) (2962) صحيح مرسل