مَكَّةَ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا فَعَلَ بِسَبْيِ هَوَازِنَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ، وَإِمَّا أَنْ يُفَادِيَ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَأَمَّا مَنُّهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَخَيْبَرَ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ" [1] "
وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِهِ الْجَوَازُ وَالإِبَاحَةُ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، فِي غَيْرِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلاَّمٍ عَدَمُ جَوَازِ الْفِدَاءِ بِمَالٍ. [2]
وَيَدُل عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ قَتْل الأَسَارَى مَأْمُورٌ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12] وَأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى مَا بَعْدَ الأَخْذِ وَالاِسْتِرْقَاقِ، وقَوْله تَعَالَى {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5] وَالأَمْرُ بِالْقَتْل لِلتَّوَسُّل إِلَى الإِسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلاَّ لِمَا شُرِعَ لَهُ الْقَتْل، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى الإِسْلاَمِ، وَلاَ يَحْصُل مَعْنَى التَّوَسُّل بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَال، كَمَا أَنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً لِأَهْل الْحَرْبِ، لِأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْمَنَعَةِ، فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَقَتْل الْمُشْرِكِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَرْضٌ مُحْكَمٌ، وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ إِقَامَةِ هَذَا الْفَرْضِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ أَخَذْتُمْ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأُعْطِيتُمْ بِهِ مُدَّيْ دَنَانِيرَ، فَلاَ تُفَادُوهُ. [3]
وَلِأَنَّهُ صَارَ بِالأَسْرِ مِنْ أَهْل دَارِنَا، فَلاَ يَجُوزُ إِعَادَتُهُ لِدَارِ الْحَرْبِ، لِيَكُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَفِي هَذَا مَعْصِيَةٌ، وَارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ لِمَنْفَعَةِ الْمَال لاَ يَجُوزُ، وَلَوْ أَعْطَوْنَا مَالًا لِتَرْكِ الصَّلاَةِ لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَل ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ، فَكَذَا لاَ يَجُوزُ تَرْكُ قَتْل الْمُشْرِكِ بِالْمُفَادَاة [4] .
(1) - الأموال للقاسم بن سلام (ص: 154) (313) حسن
(2) - المبسوط 10/ 138،وتبيين الحقائق 3/ 249،والبحر الرائق 5/ 90،ومواهب الجليل 3/ 359،والأموال ص 117 فقرة 313،والإنصاف 4/ 130،وابن عابدين 3/ 229.
(3) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (18/ 57) (33929) والخراج لأبي يوسف (ص: 214) صحيح مرسل
والمدي +: مكيال لأهل الشام.
(4) - البدائع 7/ 119،120،والمبسوط 10/ 138،139.ولا يخفى أن ظاهر الآية إن تعين القتل أولا قبل الإثخان، فإذا أثخنوا أجرى عليهم ما في الآية من المن أو الفداء.