الّذين ابْيضّتْ وجوههمْ ففي رحْمة اللّه همْ فيها خالدون (107) تلْك آيات اللّه نتْلوها عليْك بالْحقّ وما اللّه يريد ظلْمًا لّلْعالمين (108) آل عمران
يأمر الله تعالى المؤْمنين بأنْ يتّقوه حقّ تقاته، وذلك بأنْ يطاع فلا يعْصى، وأنْ يشْكر فلا يكْفر، وأنْ يذْكر فلا ينْسى، ويقول لهمْ: حافظوا على الإسْلام في حياتكمْ لتموتوا عليه، فمنْ مات على شيءٍ بعث عليه.
يأمر الله تعالى المؤْمنين بالتّمسّك بحبْل الله، أيْ بعهْده ودينه وذمّته وقرْآنه، وما أمرهمْ به من الإلْفة والمحبّة والاجْتماع، وينْهاهمْ عن التّفرّق، ويطْلب إليْهمْ أنْ يذْكروا نعْمته عليهمْ إذْ ألّف بيْن قلوبهمْ، وآخى بيْنهم بعْد العداوة المسْتحْكمة، والفرْقة التي كانتْ بيْن الأوْس والخزْرج، فقدْ كانوا على مثْل شفير النّار، بسبب كفْرهمْ وضلالهمْ واقْتتالهمْ، فهداهم الله وأنْقذهمْ.
وكما بيّن لهمْ ربّهمْ، في هذه الآيات، ما يضْمره لهم اليهود منْ شرٍّ وخداعٍ وغشٍّ، وما كانوا عليه في حال جاهليّتهمْ منْ كفْرٍ وفرْقةٍ واقْتتالٍ، وما صاروا إليه بفضْل الإسْلام منْ وحْدةٍ وإخاءٍ، كذلك يبيّن سائر حججه في تنْزيله على رسوله، ليعدّهمْ للاهْتداء الدّائم، حتّى لا يعودوا إلى عمل أهْل الجاهليّة من التّفرّق والعداوة والاقْتتال.
لتكنْ من المؤْمنين جماعةٌ متخصّصةٌ متميّزةٌ تعْرف أسْرار الأحْكام، وحكْمة التّشْريع وفقْهه، تتولّى القيام بالدّعْوة إلى الدّين، وتأمر بالمعْروف، وتحارب المنْكر، وتنْهى عنْه، ومنْ واجب كلّ مسْلم أنْ يحارب المنْكر ما اسْتطاع إلى ذلك، وهؤلاء هم الفائزون في الدّنْيا والآخرة.
ينْهى الله تعالى المسْلمين عنْ أنْ يكونوا كأهْل الكتاب الذين تفرّقوا في الدّين، وكانوا شيعًا تذْهب كل شيعةٍ منْها مذْهبًا تدْعو إليه، وتخطّئ غيْرها، ولذلك تعادوْا واقْتتلوا.
ولوْ كان فيهمْ جماعةٌ تأْمر بالمعْروف، وتنْهى عن المنْكر، وتتّجه إلى غايةٍ واحدةٍ، لما تفرّقوا، ولما اخْتلفوا فيه. وهؤلاء المخْتلفون المتفرّقون لهمْ عذابٌ وخسْرانٌ في الدّنيا، وعذابٌ في نار جهنّم في الآخرة.