فهرس الكتاب
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لاَ تَنْفِيل إلاَّ إذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ بِأَنْ كَثُرَ الْعَدُوُّ وَقَل الْمُسْلِمُونَ وَاقْتَضَى الْحَال بَعْثَ السَّرَايَا وَحِفْظَ الْمَكَامِنِ؛ لِذَلِكَ نَفَل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ دُونَ بَعْضٍ [1] .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ هُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْجِهَادِ [2] .
وَلِلتَّنْفِيل صُوَرٌ ثَلاَثٌ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَبْعَثَ الإِمَامُ أَمَامَ الْجَيْشِ سَرِيَّةً تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَيَجْعَل لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا يَغْنَمُونَ، كَالرُّبُعِ أَوِ الثُّلُثِ.
ثَانِيَتُهَا: أَنْ يُنَفِّل الإِمَامُ أَوِ الأَمِيرُ بَعْضَ أَفْرَادِ الْجَيْشِ لِمَا أَبْدَاهُ فِي الْقِتَال مِنْ شَجَاعَةٍ وَإِقْدَامٍ، أَوْ أَيِّ عَمَلٍ مُفِيدٍ فَاقَ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ شَرْطٍ.
ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَقُول الإِمَامُ: مَنْ قَامَ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ كَذَا كَهَدْمِ سُوَرٍ أَوْ نَقْبِ جِدَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكُل هَذِهِ الصُّوَرِ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ [3] .
وَكَرِهَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ الصُّورَةَ الأَخِيرَةَ:
قَالُوا: لِأَنَّ ذَلِكَ يَصْرِفُ نِيَّةَ الْمُجَاهِدِينَ لِقِتَال الدُّنْيَا، وَيُؤَدِّي إلَى التَّحَامُل عَلَى الْقِتَال، وَرُكُوبِ الْمَخَاطِرِ، وَقَال عُمَرُ الْفَارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لاَ تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحُصُونِ، لَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ وَقَالُوا: يَنْفُذُ الشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا، إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ الإِمَامُ قَبْل حَوْزِ الْمَغْنَمِ [4] .
مَحَل التَّنْفِيل:
(1) - مغني المحتاج 3/ 102،وروضة الطالبين 6/ 368،والزرقاني 3/ 128،جواهر الإكليل 1/ 261.
(2) - فتح القدير 5/ 249،وابن عابدين 3/ 238.
(3) - المغني 8/ 379 381،وروضة الطالبين 6/ 369،والقليوبي 3/ 193،وحاشية ابن عابدين 3/ 238،وفتح القدير 5/ 249.
(4) - حاشية الزرقاني 3/ 128.