مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. ثُمَّ رَاحَ بِالنَّاسِ وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النَّقِيعِ، يُقَالَ لَهُ نَقْعَاءُ؛ فَلَمَّا رَاحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ وَتَخَوَّفُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَخَافُوا فَإِنَّمَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ» .فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ أَحَدَ بَنِي قَيْنُقَاعٍ وَكَانَ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهِ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ، فَقَالَ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون:1] فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِأُذُنِ زَيْدٍ فَقَالَ: «هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهَ بِأُذُنِهِ» وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الَّذِي كَانَ مِنْ أَبِيهِ" [1] "
هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ فَيَتَحوَّلُوا عَنْكُمْ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَيَنْفَضَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ حَوْلَهُ إِذَا عَضَّهُمْ الجُوعُ. وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ جَاهِلُونَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ مَالِكُ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَبِيدِهِ مَفَاتِيحُ أَرْزَاقِ العِبَادِ فَلاَ يَصِلُ شَيءٌ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا هَذَا القَوْلَ.
وَيَقَولُ هَؤُلاَءِ المَنَافِقُونَ: إِذَا رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ فَإِنَّنَا سَنُخْرِجُ المُؤْمِنِينَ مِنْهَا، لأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنْفُسَهُمْ هُم الأَقْوِيَاءَ الأَعِزَّاءَ فِيهَا لَكَثْرَةِ جَمْعِهِمْ، وَوَفْرَةِ مَالِهِمْ، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ ضِعَافٌ قَلِيلُو العَدَدِ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ قَائِلًا: إِنَّ العِزَّةَ للهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ ذُو الجَلاَلِ والعِزَّةِ، ثُمَّ تَكُونُ العِزَّةُ مِنْ بِعْدِهِ لِرَسُولِهِ الكَرِيمُِ صلى الله عليه وسلم ،ثُمَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ يَسْتَغِزُّونَ بِعِزِّ اللهِ، وَبِنَصْرِهِ، فَهُمْ أَعِزَةٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ العِزَّةَ بِوَفْرَةِ المَالِ وَكَثْرَةِ النَّاصِرِ. [2]
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (22/ 661)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5073، بترقيم الشاملة آليا)