فهرس الكتاب

الصفحة 2443 من 3472

(وقال ابْنُ عبّاسٍ: يعْنُون قوْلهُ تعالى فِي سُورةِ البقرةِ: مسّتْهُمُ البأْساءُ والضّرّاءُ وزلزلوا حتّى يقُول الرّسُولُ والّذِين آمنُوا معهُ متى نصْرُ اللهِ ألا إِنّ نصْر اللهِ قرِيبٌ) .

لمّا ذكر اللهُ تعالى أنّ المُنافِقين نقضوا العهْد، وصف المُؤمنين بأنّهُمُ اسْتمرُّوا على المُحافظةِ على العهْدِ والمِيثاق، وأنّ مِنْهُمْ رِجالًا أوْفُوا بِما عاهدُوا الله عليهِ مِن الصّبْرِ في الشِّدّةِ والبأْساءِ، فاسْتُشْهِد بعْضُهُمْ في بدْرٍ، وبعْضُهُمْ اسْتُشْهِد فِي أُحُدٍ، وبعْضُهُمْ لقِي وجْه ربِّهِ فِي غيرِ هذِينِ الموْقِفينِ، ومِنْهُمْ منْ مضى على الوفاءِ للهِ بِالعهْدِ، وما غيّرُوا وما بدّلُوا.

واللهُ تعالى يخْتبِرُ عِبادهُ بِالخوْفِ والزّلْزلةِ لِيمِيز الخبِيث مِن الطّيِّبِ، ويُظْهِر أمْر كُلٍّ مِنْهُما جلِيًّا واضِحًا، فيجْزِي أهْل الصِّدْقِ بِصِدْقِهِمْ بِما عاهدُوا الله عليهِ، ويُعذِّب المنافِقِين النّاقِضِين لِلْعهْدِ، المُخالِفِين لأوِامِرِ ربِّهِمْ، إِذا اسْتمرُّوا على نِفاقِهِمْ، حتّى يلْقوْهُ، أمّا إِذا تابُوا وعِمِلُوا صالِحًا فإِنّ الله يغْفِرُ لهُمْ ما سلف مِنْهُمْ مِنْ سيِّئاتٍ وآثامٍ، واللهُ غفُورٌ رحيمٌ، ورحْمتُهُ لِعِبادِهِ هِي الغالِبةُ لِغضبِهِ.

وردّ اللهُ المُشْرِكين، مِنْ قريْشٍ وغطْفان وأسدٍ وسُليْمٍ، بِغيْظِهِمْ لِقْوتِ ما أملُوهُ مِن الظّفرِ بِمُحمّدٍ وصحْبِهِ، والفوْزِ بالغنائِمِ، ولمْ يحْتجِ المُؤْمِنُون إِلى مُنازلتِهِمْ لإِجْبارِهِمْ على الانْسِحابِ، وإِنّما سلّط الله عليهِمْ رِيحًا، وأْرْسل عليهِمْ ملائِكتهُ يُلْقُون الرُّعْب فِي قُلُوبِهِمْ، فانْسحبُوا مخْذُولِين مفْلُولِين فكفى اللهُ المُؤْمِنين شرّ القِتالِ، ونصر عبْدهُ، وأعزّ جُنْدهُ، وهزم الأحْزاب وحْدهُ، لا إِله إِلاّ هُو. وكان اللهُ قوِيًّا عزِيزًا، لا يُغْلبُ ولا يُضامُ. لمّا قدِمتِ الأحْزابُ إِلى المدِينةِ كان بيْن رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وبيْن يهُودِ بنِي قُريْظة عهْدٌ ومُوادعةٌ، فجاء حُييُّ بْنُ أخْطب - زعيمُ يهُودِ بني النّضِيرِ - وكان مع قوْمِهِ مع الأحْزاب،- إٍِلى بنِي قُريْظة يسْتحِثُّهُمْ على نقْضِ عهْدِهِمْ مع رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومُشاركةِ الأحْزابِ فِي مُحاربةِ المُسْلِميِن، فاسْتجابُوا لهُ، فشقّ ذلِك على المُسْلِمين. ولمّا هزم الله الأحْزاب أمر اللهُ رسُولهُ الكرِيم بِأنْ يسير إِلى بنِي قُريْظة لِيُعاقِبهُمْ على غدْرِهِمْ، ونقْضِهِمْ العهْد. وبعْد حرْبٍ دامتْ خمْسةً وعِشْرِين يوْمًا اضْطرُّوا إِلى النُّزُولِ على حُكْمِ سعْدِ بْنِ مُعاذٍ، رضِي اللهُ عنْهُ، وكان حلِيفًا لهُمْ فِي الجاهِلِيّةِ، فاسْتدْعاهُ رسُولُ اللهِ - وكان فِي المدِينةِ يشْتكِي مِنْ جُرْحٍ أصابهُ - فحكمْ سعْدٌ بِأنْ تُقْتل المُقاتِلةُ، وتُسْبى الذُّرِّيّةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت