فهرس الكتاب

الصفحة 2446 من 3472

يأْمُرُ اللهُ تعالى رسُولهُ صلى الله عليه وسلم بِالصّبْرِ على تكْذِيبِ منْ كذّب مِنْ قوْمِهِ، فإِنّ الله سيُنْجِزُ وعْدهُ، وسيُظْهِرُهُ بِأعْدائِهِ، وسيُنْزِلُ العِقاب بِالمُكذِّبِين فِي الدُّنْيا والآخِرةِ. ثُمّ يقُولُ لهُ: إِمّ أنْ يُرِيهُ فِي حياتِهِ بعْض الذِي يعِدُهُمْ مِن العذاب والنّقْمةِ، كالقتْلِ والأسْرِ فِي بدْرٍ، فذلِك ما يسْتحِقُّونهُ، وإِمّا أنْ يتوفّاهُ اللهُ قبْل أنْ يُنْزِل بِهِم عُقُوبتهُ وعذابهُ فإِنّهُ سيُعاقِبُهُمْ فِي الآخِرةِ عِقابًا شدِيدًا حِينما يُرْجعُون إِليهِ يوْم القِيامةِ [1] .

وهنا نقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق. إن هذا الرسول الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود، يقال له ما مفهومه: أد واجبك وقف عنده. فأما النتائج فليست من أمرك. حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق بعض وعيد اللّه للمتكبرين المكذبين ليس له أن يعلق به قلبه! إنه يعمل وكفى. يؤدي واجبه ويمضي.

فالأمر ليس أمره. والقضية ليست قضيته. إن الأمر كله للّه. واللّه يفعل به ما يريد.

يا للّه! يا للمرتقى العالي. ويا للأدب الكامل. الذي يأخذ اللّه به أصحاب هذه الدعوة. في شخص رسوله الكريم.

وإنه لأمر شاق على النفس البشرية. أمر يحتاج إلى الصبر على أشواق القلب البشري العنيفة. لعله من أجل هذا كان التوجيه إلى الصبر في هذا الموضع من السورة. فلم يكن هذا تكرارا للأمر الذي سبق فيها. إنما كان توجيها إلى صبر من لون جديد. ربما كان أشق من الصبر على الإيذاء والكبر والتكذيب؟!

إن احتجاز النفس البشرية عن الرغبة في أن ترى كيف يأخذ اللّه أعداءه وأعداء دعوته، بينما يقع عليها العداء والخصومة من أولئك الأعداء، أمر شديد على النفس صعيب. ولكنه الأدب الإلهي العالي، والإعداد الإلهي لأصفيائه المختارين، وتخليص النفس المختارة من كل شيء لها فيه أرب، حتى ولو كان هذا الأرب هو الانتصار من أعداء هذا الدين!

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4089، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت