فهرس الكتاب

الصفحة 2445 من 3472

وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا المقطع، توجيها لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومن كانوا معه من المؤمنين في مكة في موقف الشدة والمعاناة. ولكل من يأتي بعدهم من أمته، ويواجهون مثل الموقف الذي كانوا فيه: «فَاصْبِرْ. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ» ..

الإيقاع الأخير .. الدعوة إلى الصبر .. الصبر على التكذيب. والصبر على الأذى. والصبر على نفخة الباطل وانتشائه بالغلبة والسلطان في فترة من الزمان. والصبر على طباع الناس وأخلاقهم وتصرفاتهم من هنا ومن هناك. والصبر على النفس وميولها وقلقها وتطلعها ورغبتها في النصر القريب وما يتعلق به من رغائب وآمال.

والصبر على أشياء كثيرة في الطريق قد تجيء من جانب الأصدقاء قبل أن تجيء من جانب الأعداء! «فَاصْبِرْ. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» .. مهما يطل الأمد، ومهما تتعقد الأمور، ومهما تتقلب الأسباب. إنه وعد من يملك التحقيق، ومن وعد لأنه أراد.

وفي الطريق، خذ زاد الطريق: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ» ..

هذا هو الزاد، في طريق الصبر الطويل الشاق. استغفار للذنب، وتسبيح بحمد الرب. والاستغفار المصحوب بالتسبيح وشيك أن يجاب، وهو في ذاته تربية للنفس وإعداد. وتطهير للقلب وزكاة. وهذه هي صورة النصر التي تتم في القلب، فتعقبها الصورة الأخرى في واقع الحياة.

واختيار العشي والإبكار. إما كناية عن الوقت كله - فهذان طرفاه - وإما لأنهما آنان يصفو فيهما القلب، ويتسع المجال للتدبر والسياحة مع ذكر اللّه.

هذا هو المنهج الذي اختاره اللّه لتوفير عدة الطريق إلى النصر وتهيئة الزاد. ولا بد لكل معركة من عدة ومن زاد .. [1]

وقال تعالى: {فاصْبِرْ إِنّ وعْد اللّهِ حقٌّ فإِمّا نُرِينّك بعْض الّذِي نعِدُهُمْ أوْ نتوفّينّك فإِليْنا يُرْجعُون (77) } [غافر/77]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3883)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت