فهرس الكتاب

الصفحة 2594 من 3472

بعْد أنْ ذكر اللهُ تعالى الإِنفاق فِي سبيلِ اللهِ، والتّصدُّق على عِبادِهِ، وإخْراج الزّكاةِ، شرع فِي عرْضِ حالِ أكِلِي الرِّبا، وأمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وأنْواعِ الشُّبُهاتِ، فأخْبر عنْ حالِهِمْ يوْم خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، يوْم البعْثِ والنُّشُورِ، فقال عنْهُم: إنّهُم لا يقُومُون مِنْ قُبُورِهِمْ إلاّ قِيامًا مُنْكرًا، كما يقُومُ المصْرُوعُ حال صرعِهِ وأكْلُهُمُ الرِّبا هذا قائِمٌ على اسْتِحلالِهِمْ لهُ، وجعْلِهِ كالبيْعِ، فيقُولُون: كما يجُوزُ أنْ يبيع الإِنْسانُ سِلعتهُ التِي ثمنُها عشرةُ دراهِم على أنْ يرُدّها عليهِ عِشْرِين دِرْهمًا بعْد سنةٍ، فالسّببُ فِي رأيِهِمْ واحِدٌ فِي كُلٍّ مِن الزِّيادتيْنِ، وهُو الأجلُ.

هذِهِ هِي حُجّةُ آكِلِي الرِّبا وهُمْ واهِمُون فِيما قالُوهُ، وقِياسُهُمْ فاسِدٌ، لأنّ البيْع فِيهِ ما يقْتضِي حِلّهُ لأنّهُ يُلاحظُ فِيهِ انْتِفاعُ المُشْترِي بِالشّيْءِ انْتِفاعًا حقِيقيًّا.

أمّا الرِّبا فهُو إعْطاءُ الدّراهِم والْمِثْلِيّاتِ وأخْذُها مُضاعفةً فِي وقْتٍ آخر. فما يُؤخذُ مِن المدِينِ زِيادةً في رأسِ المالِ لا مُقابِل لهُ مِنْ عيْنٍ ولا عمل. فمنْ بلغهُ نهْيُ اللهِ عنِ الرِّبا، فانْتهى عنِ الرِّبا فلهُ ما سلف مِمّا أكلهُ مِن الرِّبا قبْل التّحْرِيم، وما سبق لهُ أنْ أخذهُ أيّام الجاهِلِيّةِ، وأمْرُه مرْدُودٌ إلى اللهِ. ومنْ عاد إلى الرِّبا، بعْد أنْ بلغهُ النّهْيُ عنْهُ، فقدِ اسْتوْجب العُقُوبة مِن اللهِ، والخُلُود في نارِ جهنّم. الذِي يتخبّطُهُ الشّيْطانُ - أي المصْرُوعُ. وكانتِ العربُ تعْتقِدُ أنّ الشيْطان يخْبِطُ الإِنْسان فيصْرعُهُ.

مراحِلُ تحْرِيمِ الرِّبا فِي القُرْآنِ:

كما مرّ تحْرِيمُ الخمْرِ فِي مراحِل، كذلِك مرّ تحْرِيمُ الرِّبا فِي أرْبعِ مراحِل مُتدرِّجةٍ:

1 -فِي المرْحلةِ الأولى - قال الله تعالى فِي الآيةِ المكِّيّةِ {ومآ آتيْتُمْ مِّن رِّبًا لِّيرْبُو فِي أمْوالِ الناس فلا يرْبُو عِند الله} أيْ إنّ الله تعالى يقُولُ فِي هذِهِ الآيةِ إنّ الرِّبا لا ثواب فِيهِ عِنْد اللهِ.

2 -وفِي المرْحلةِ الثّانِيةِ - ألْقى اللهُ تعالى على المُسْلِمِين درْسًا وعِبْرةً مِنْ سِيرةِ اليهُودِ الذِين حرّم اللهُ عليهِمْ أكْل الرِّبا فأكلُوهُ، فعاقبهُمُ اللهُ بِمعْصِيتِهِمْ.

فقدْ جاء فِي سُورةِ النِّساءِ {فبِظُلْمٍ مِّن الذين هادُواْ حرّمْنا عليْهِمْ طيِّباتٍ أُحِلّتْ لهُمْ وبِصدِّهِمْ عن سبِيلِ الله كثِيرًا.} كما جاء بعْدها وأخْذِهِمُ الربا وقدْ نُهُواْ عنْهُ وأكْلِهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت