فهرس الكتاب
وضاقتْ عليْكُمُ الْأرْضُ بِما رحُبتْ ثُمّ ولّيْتُمْ مُدْبِرِين ثُمّ أنْزل اللّهُ سكِينتهُ على رسُولِهِ وعلى الْمُؤْمِنِين وأنْزل جُنُودًا لمْ تروْها وعذّب الّذِين كفرُوا وذلِك جزاءُ الْكافِرِين) (التوبة:26) .
ويصف الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى الذين يهملون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله بأنهم أقل الناس دينًا وأمقتهم إلى الله تعالى؛ فيقول: وأما الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه؛ فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلًا عن أن يريدوا فعلها، وفضلًا عن أن يفعلوها. وأقل الناس دينًا وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعها، وقلّ أن ترى منهم من يحْمرُّ وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه. وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء" [1] ."
إذًا فترك الجهاد في سبيل الله سبب للهلاك في الدنيا والآخرة؛ وهذا ما يفهم من قوله تعالى: (وأنْفِقُوا فِي سبِيلِ اللّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ وأحْسِنُوا إِنّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِين) (البقرة:195) .
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ:"قُلْنَا بَيْنَنَا بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ فَلَوْ أَنَّا قُمْنَا فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا هَمَمْنَا بِهِ {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] فِي الْإِقَامَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا وَتَرْكِ الْجِهَادِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" [2]
وقَالَ أَسْلَمُ أَبُو عِمْرَانَ، مَوْلًى لِكِنْدَةَ: «كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا، مِنَ الرُّومِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِثْلُهُ، أَوْ أَكْثَرُ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ صَاحِبُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم،فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ، حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ تُلْقِي بِيَدِكَ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ
(1) - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 146)
(2) - المعجم الكبير للطبراني (4/ 176) (4060) صحيح