فهرس الكتاب
سلّط اللّه عليْكُمْ ذُلًّا) بِضمِّ الذّال الْمُعْجمة وكسْرها أيْ صغارًا ومسْكنة ومنْ أنْواع الذُّلّ الْخراج الّذِي يُسلِّمُونهُ كُلّ سنة لِمُلّاكِ الْأرْض. وسبب هذا الذُّلّ واللّه أعْلم أنّهُمْ لمّا تركُوا الْجِهاد فِي سبِيل اللّه الّذِي فِيهِ عِزّ الْإِسْلام وإِظْهاره على كُلّ دِين عاملهُمْ اللّه بِنقِيضِهِ وهُو إِنْزال الذِّلّة بِهِمْ فصارُوا يمْشُون خلْف أذْناب الْبقر بعْد أنْ كانُوا يرْكبُون على ظُهُور الْخيْل الّتِي هِي أعزّ مكان. قالهُ فِي النّيْل. [1]
ــــــــــــــ
16.التنازعُ والخصامُ على الدنيا والعلو في الأرض:
قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) } [الأنفال:46 - 48]
أمر اللهُ تعالى المُؤْمِنِين بِطاعتِهِ تعالى فِي الثّباتِ عِنْد لِقاءِ الأعْداءِ المُشْرِكِين، وبِالإِخْلاصِ لهُ، وبِبذْلِ الجُهْدِ فِي القِتالِ، وبِذِكْرِ اللهِ كثِيرًا لِتطْمئِنّ النُّفُوسُ وتهْدأ، ويُزايلها الخوْفُ والتّردُّدُ والقلقُ، كما أمرهُمْ بِطاعةِ رسُولِ اللهِ، والتِزامِ أوامِرِهِ، إِنْجاحًا لِلْخُطّةِ العامّةِ لِلْجيْشِ فِي المعْركةِ. ثُمّ أمرهُمْ بِألاّ يتنازعُوا، ولا يخْتلِفُوا، لأنّ فِي التّنازُعِ والاخْتِلافِ الفشل والخُذْلان وضياع ما حقّقهُ المُسْلِمُون فِي المعْركةِ {وتذْهب رِيحُكُمْ} .ثُمّ يُكرِّرُ اللهُ تعالى أمْرهُ لِلْمُؤْمِنِين بِالتِزامِ الصّبْرِ، لأنّ الله مع الصّابِرِين
وعليْكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُون، أنْ تمْتثِلُوا لِما أمركُمْ بِهِ ربُّكُمْ مِنْ طاعتِهِ تعالى، وطاعةِ رسُولِهِ الكرِيمِ صلى الله عليه وسلم ،والتِزامِ أوامِرِهِما، ولا تكُونُوا كأعْدائِكُمْ المُشْرِكِين الذِين خرجُوا مِنْ مكّة بطرًا بِما أوتُوا مِن النّعْمةِ، ومُراءاةً لِلنّاسِ لِيُعْجبُوا بِهِمْ، ويُثْنُوا عليْهِمْ بِالغِنى والقُوّةِ والشّجاعةِ
(1) - عون المعبود - (ج 7 / ص 453)