فهرس الكتاب
ثُمّ يقُولُ تعالى لِنبِّيهِ صلى الله عليه وسلم:وإِذا أردْت أنْ تحْكُم بيْنهُمْ، فاحْكُمْ بِالحقِّ والعدْلِ، لأنّ الله يُحِبُّ الذِين يقْضُون بِالعدْلِ (المُقْسِطِين) .
ويُنْكِرُ اللهُ تعالى على هؤُلاءِ مقاصِدهُمُ الزّائِفة، ونِيّاتِهِمُ الفاسِدة، فِي ترْكِهِمْ ما يعْتقِدُون صِحّتهُ مِن الكِتابِ الذِي بِأيْدِيهِمْ، والذِي يزْعُمُون أنّهُمْ مأمُورُون بِالتّمسُّكِ بِهِ أبدًا، ثُمّ يخْرُجُون عنْ حُكْمِهِ إلى غيْرِهِ (القُرْآنُ والإِسْلامُ) ،مِمّا يعْتقِدُون بُطْلانهُ، وعدم لُزُومِهِ لهُمْ. فقال اللهُ تعالى لِرسُولِهِ صلى الله عليه وسلم:كيْف يُحكِّمُونك فِي أمْرِ الزُّناةِ وعِنْدهُمُ التّوراة فِيها حُكْمُ اللهِ، وإذا أردْت أنْت أنْ تحْكُم بيْنهُمْ بِما يتّفِقُ مع شرْعِهِمْ، لمْ يقْبلُوا حُكْمك (يتولّوْن) لأنّهُمْ ليْسُوا مُؤْمِنِين إيمانًا صحِيحًا لا بِدِينِهِمْ، ولا بِدِينِك.
يتولّوْن مِنْ بعْدِ ذلِك - يُعْرِضُون عنْ حُكْمِك المُوافِقِ لِحُكْمِ التّوْراةِ بعْد تحْكِيمِك.
يمْدحُ اللهُ تعالى التّوْراة، فيقُولُ: إنّهُ أنْزلها وفِيها هُدىً ونُورٌ، يحْكُمُ بِها الأنْبِياء الذِين أسْلمُوا وُجُوههُمْ لِربِّهِمْ مُخْلِصِين لهُ الدِّين (وهُمْ مُوسى ومنْ جاء بعْدهُ مِنْ أنْبِياء بنِي إِسْرائِيل) بيْن اليهُودِ لا يخْرُجُون عنْ حُكْمِها، ولا يُبدِّلُونها ولا يُحرِّفُونها. ويحْكُمُ بِها العُلماءُ العُبّادُ (الرّبّانِيُّون) ،والعُلماءُ (الأحْبارُ) بِما اسْتوْدعُوا (اسْتُحْفِظُوا) مِنْ كِتابِ اللهِ الذِي أُمِرُوا بِأنْ يحْفظُوهُ مِن التّبْدِيلِ، وبِأنْ يُظْهِرُوهُ، ويعْملُوا بِأحْكامِهِ، ثُمّ خاطب اللهُ تعالى رُؤساء اليهُودِ الذِين كانُوا فِي زمنْ التّنْزِيلِ فقال: كيْف لا يخافُون الله فِي الكِتْمانِ والتّبْدِيلِ، بعْد أنْ قصّ اللهُ تعالى عليْهِمْ سِيرة السّلفِ الصّالِحِ مِنْ بنِي إِسْرائِيل علّهُمْ يعْتبِرُون ويرْعوُون عنْ غيِّهِمْ. ثُمّ قال لهُمْ: وإِذا كان الحالُ كذلِك أيُّها الأحْبارُ، ولا شكّ فِي أنّكُمْ لا تُنْكِرُونهُ، فلا تخْشوا النّاس فتكْتُمُوا ما عِنْدكُمْ مِن الكِتابِ، خشْية النّاسِ، أوْ طمعًا فِي منْفعةٍ عاجِلةٍ مِنْهُ، وأخْشوْنِي أنا واقْتدُوا بِمنْ كان قبْلكُمْ مِن الرّبّانِيِّين والأحْبارِ، واحْفظُوا التّوْراة، ولا تعْدِلُوا عنْ ذلِك، فإنّ النّفْع والضّرر بِيدِ اللهِ، ولا تتْرُكُوا بيان أحْكامِ التّوْراةِ لِلْنّاسِ، والعملِ بِها، لِقاء منْفعةٍ دنْيوِيّةٍ قلِيلةٍ تأْخُذُونها مِن النّاسِ كرشْوةٍ أوْ جاهٍ.
وكُلُّ منْ يرْغبُ عنِ الحُكْمِ بِما أنْزل اللهُ مِنْ شرْعٍ، ويُخْفِيهِ ويحْكُمُ بِغيْرِهِ (كحُكْمِ اليهُودِ فِي الزّانِييْنِ المُحْصنيْنِ بِالتّحْمِيمِ والجلْدِ، وكِتْمانِ الرّجْمِ، وقضائِهِمْ فِي بعْضِ قتْلاهِمْ بِدِيةٍ