فهرس الكتاب
الذِي قصدهُ الشّارِعُ، ويقُولُ بعْضُهُمْ لِبعْضٍ: إنْ حكم لكُمْ مُحمّدٌ الحُكْم الذِي تُرِيدُون فاقْبلُوهُ، وإنْ قضى بِغيْرِهِ فلا تسْتمِعُوا إليهِ.
(وهذِهِ الآيةُ نزلتْ فِي يهُوديّين زنيا بعْد هِجْرةِ الرّسُولِ صلى الله عليه وسلم إلى المدِينةِ بِقلِيلٍ، وكان اليهُودُ قدْ تخلّوْا عنْ تنْفِيذِ ما شرّعهُ اللهُ لهُمْ فِي التّوراةِ مِنْ رجْمِ الزُّناةِ المُحْصِنِين، فحرّفُوا حُكْم اللهِ، واصْطلحُوا فِيما بيْنهُمْ على جلْدِ الزّانِي مِئة جلْدةٍ مع صبْغِ الوجْهِ بِالسّوادِ(ويُسمُّونهُ التّحْمِيم) .فلمّا وقعتْ حادِثةُ الزِّنى، قال بعْضُ اليهُودِ لِبعْضٍ تعالُوا نتحاكمُ إلى مُحمّدٍ فإنْ حكم بِالجلْدِ، وصبْغِ الوجْهُ بِالسّوادِ، فخُذُوا ذلِك عنْهُ، واجْعلُوهُ حُجّةً بيْنكُمْ وبيْن اللهِ، ويكُونُ نبِيٌّ مِنْ أنْبِياءِ اللهِ قدْ حكم بيْنكُمْ بِذلِك، وإنْ حكم بِالرّجْمِ فلا تتّبِعُوهُ. فلمّا جاؤُوا إلى الرّسُولِ صلى الله عليه وسلم سألهُمْ عمّا فِي كِتابِهِمْ فِي حُكْمِ الزُّناةِ، فقالُوا نفْضحُهُمْ ويُجْلدُون. فقال لهُمْ عبْدُ اللهِ بْنُ سلاّمٍ - وكان حبْرًا مِنْ أحْبارِهِمْ ثُمّ أسْلم - كذيْتُمْ إنّ فِيهِ الرّجْم).ومنْ أراد اللهُ أنْ يخْتبِرهُ فِي دِينِهِ فيُظْهِر الاخْتِبارُ كُفْرهُ وضلالهُ، فلنْ تمْلِك لهُ يِا مُحمّدُ مِن اللهِ شيْئًا، لأنّ الله لمْ يُرِدْ أنْ يُطهْر قلْبهُ، ولا أنْ يهْدِيهُ؛ ولِهذا الضّالِّ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا، ولهُ فِي الآخِرةِ عذابٌ عظِيمٌ. فلا تحْزنْ يِا مُحمّدُ بعْد هذا على مُسارعتِهِمْ فِي الكُفْرِ، ولا تطْمعُ فِي هِدايتِهِمْ إلى الإِيمانِ، فإِنّك لا تمْلِكُ لأحدٍ نفْعًا، وإِنّما عليك البلاغُ.
وأعاد اللهُ تعالى وصْفهُمْ بِكثْرةِ السّماعِ لِلْكذِبِ، فقال: وهُمْ سمّاعُون لِلْباكِلِ، آكّالُون لِلْمالِ الحرامِ كالرِّبا والرّشْوةِ (السُّحْتِ) ،فإِذا جاؤُوك يتحاكمُون إليْك فاحْكُمْ بيْنهُمْ أوْ أعْرِضْ عنْهُمْ، فلا عليك أنْ لا تحْكُم بيْنهُم لأنّهُمْ لا يقْصِدُون، بِمجِيئِهِمْ إليك لِلتّحاكُمِ، اتِّباع الحقِّ، بلْ يُرِيدُون أنْ تحْكُم لهُمْ بِما يُوافِقُ أهْواءهُمْ
(وهذا الحُكْمُ خاصٌّ بِالمُعاهِدِين دُون أهْلِ الذِّمّةِ، فبِالنِّسْبةِ لِلمُعاهِدِين لا يجِبُ على المُسْلِمِين أنْ يحْكُمُوا بيْنهُم(كالأجانِبِ المُوجُودِين فِي بِلادِ المُسْلِمِين) ،وإنْ تحاكمُوا إِليْهِمْ، بلِ المُسْلِمُون مُخيّرُون فِي ذلِك حسْبما يروْن فِيهِ المصْلحة.
وأمّا أهْلُ الذِّمّةِ فيجِبُ الحُكْمُ بيْنهُمْ إذا تحاكمُوا إلى المُسْلِمِين، لأنّ منْ أُخِذتْ مِنُهُ الجِزْيةُ تجْرِي عليهِ أحْكامُ الإِسْلامِ، فِي البُيُوعِ والموارِيثِ، والعُقُودِ، عدا بيْعِ الخمْرِ والخِنزِيرِ). (وقال ابْنُ عبّاسٍِ هذا الحُكْمُ منْسُوخٌ بِقوْلِهِ تعالى {وأنِ احكم بيْنهُمْ بِمآ أنزل الله} .