فشرِّدْ بِهِمْ منْ خلْفهُمْ لعلّهُمْ يذّكّرُون (57) وإِمّا تخافنّ مِنْ قوْمٍ خِيانةً فانْبِذْ إِليْهِمْ على سواءٍ إِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْخائِنِين (58) سورة الأنفال
نزلتْ هذِهِ الآيةُ فِي نفرٍ مِن اليهُودِ، زعِيمُهُمْ كعْبُ بْنُ الأشْرفِ، وهُو مِنْ طواغِيتِ الكُفْرِ والكُرْهِ لِمُحمّدٍ صلى الله عليه وسلم ولِلإِسْلامِ، وفِيها يُطمْئِنُ اللهُ تعالى رسُولهُ صلى الله عليه وسلم إِلى أنّهُ آمِنٌ مِنْ عاقِبةِ كيْدِهِمْ، ويُبيِّنُ فِيها ما يجِبُ أنْ يفْعلهُ الرّسُولُ مع أمْثالِهِمْ مِن الخونةِ المُتربِّصِين.
يقُولُ تعالى: إِنّ شرّ المخْلُوقاتِ التِي تدِبُّ على الأرْضِ، فِي حُكْمِ اللهِ وعدْلِهِ، هُمُ الكافِرُون الذِين اجْتمعتْ فِيهِمْ صِفتانِ:
(أ) - الإِصْرارُ على الكُفْرِ، والرُّسُوخُ فِيهِ حتّى لا يُرْجى لهُمْ إِيمانٌ.
(ب) - نقْضُ العهْدِ.
وكان الرّسُولِ صلى الله عليه وسلم حِين هِجْرتِهِ إلى المدِينةِ، عقد مع اليهُودِ عُقُودًا، أمّنهُمْ فِيها على أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ ودِينِهِمْ، فنقضُوا هذِهِ العُهُود، وتآمرُوا على الرّسُولِ والمُسْلِمِين.
الذِين كُلّما عاهُدُوا عهْدًا نقضُوهُ، وكُلّما أكّدُوا بِالأيْمانِ نكثُوهُ، وهُمْ لا يخافُون عِقاب اللهِ على شيءٍ مِن الآثامِ ارْتكبُوهُ.
فإِذا ما لقِيتهُم يا أيُّها الرّسُولُ فِي الحرْبِ، وظفِرْت بِهِمْ، فنكِّلْ بِهِمْ، وأثْخِنْ فِيهِمْ قتْلًا، لِيخاف سِواهُمْ مِن الأعْداءِ {فشرِّدْ بِهِمْ منْ خلْفهُمْ} ،وليكُونُوا عِبْرةً لِغيْرِهِمْ، لعلّهُمْ يُحاذِرُون أنْ ينْكُثُوا أيْمانهُمْ، ويخُونُوا عُهُودهُمْ، فيحِلّ بِهِمْ مِثْلُ ذلِك.
وإِذا خِفْت مِنْ قوْمٍ عاهدْتهُمْ، خِيانةً ونقْضًا لِلْعهْدِ الذِي بيْنك وبيْنهُمْ، فانْبِذْ إِليْهِمْ عهْدهُمْ، وأعْلِمْهُمْ بِأنّك نقضْت عهْدهُمْ حتّى يعْلمُوا أنّ لا عهْد بيْنك وبيْنهُمْ على السّواءِ، فتسْتوِي أنْت وإِيّاهُمْ فِي ذلِك بِدُونِ خِداعٍ ولا اسْتِخْفاءٍ. واللهُ لا يُحِبُّ الخائِنِين، حتّى ولوْ كانتِ الخِيانةُ مُوجّهةً لِلْكُفّارِ. [1]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1216، بترقيم الشاملة آليا)