فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 3472

وبيْضةٌ على رأْسه، فقالوا له: ضعْ سلاحك. فقال: إنّي لمْ آتكمْ، وإنّما جئْتكمْ حين دعوْتموني، فإنْ تركْتموني هكذا وإلّا رجعْت. فقال رسْتم: ائْذنوا له. فأقْبل يتوكّأ على رمْحه فوْق النّمارق فخرّق عامّتها، فقالوا له: ما جاء بكمْ؟ فقال: اللّه ابْتعثْنا لنخْرج منْ شاء منْ عبادة الْعباد إلى عبادة اللّه، ومنْ ضيق الدّنْيا إلى سعتها، ومنْ جوْر الْأدْيان إلى عدْل الْإسْلام، فأرْسلنا بدينه إلى خلْقه لندْعوهمْ إليْه، فمنْ قبل ذلك قبلْنا منْه ورجعْنا عنْه، ومنْ أبى قاتلْناه أبدًا حتّى نفْضي إلى موْعود اللّه. قالوا: وما موْعود اللّه؟ قال: الْجنّة لمنْ مات على قتال منْ أبى، والظّفر لمنْ بقي. فقال رسْتم: قدْ سمعْت مقالتكمْ، فهلْ لكم أنْ تؤخّروا هذا الْأمْر حتّى ننْظر فيه وتنْظروا؟ قال: نعمْ، كمْ أحبّ إليْكمْ؟ أيوْمًا أوْ يوْميْن؟ قال: لا، بلْ حتّى نكاتب أهْل رأْينا ورؤساء قوْمنا. فقال: ما سنّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ نؤخّر الْأعْداء عنْد اللّقاء أكْثر منْ ثلاثٍ، فانْظرْ في أمْرك وأمْرهمْ، واخْترْ واحدةً منْ ثلاثٍ بعْد الْأجل. فقال: أسيّدهم أنْت؟ قال: لا، ولكنّ الْمسْلمون كالْجسد الْواحد يجير أدْناهمْ على أعْلاهمْ. فاجْتمع رسْتم برؤساء قوْمه، فقال: هلْ رأيْتمْ قطّ أعزّ وأرْجح منْ كلام هذا الرّجل؟ فقالوا: معاذ اللّه أنّ تميل إلى شيْءٍ منْ هذا وتدع دينك لهذا الْكلْب! أما ترى إلى ثيابه؟! فقال: ويْلكمْ لا تنْظروا إلى الثّياب، وانْظروا إلى الرّأْي والْكلام والسّيرة، إنّ الْعرب يسْتخفّون بالثّياب والْمأْكل، ويصونون الْأحْساب.

ثمّ بعثوا يطْلبون في الْيوْم الثّاني رجلًا، فبعث إليْهمْ حذيْفة بْن محْصنٍ، فتكلّم نحْو ما قال ربْعيٌّ. وفي الْيوْم الثّالث الْمغيرة بْن شعْبة، فتكلّم بكلامٍ حسنٍ طويلٍ، قال فيه رسْتم للْمغيرة: إنّما مثلكمْ في دخولكمْ أرْضنا كمثل الذّباب رأى الْعسل فقال: منْ يوصلني إليْه وله درْهمان؟ فلمّا سقط عليْه غرق فيه، فجعل يطْلب الْخلاص فلا يجده، وجعل يقول: منْ يخلّصني وله أرْبعة دراهم؟ ومثلكمْ كمثل ثعْلبٍ ضعيفٍ دخل جحْرًا في كرْمٍ، فلمّا رآه صاحب الْكرْم ضعيفًا رحمه فتركه، فلمّا سمن أفْسد شيْئًا كثيرًا فجاء بجيْشه، واسْتعان عليْه بغلْمانه، فذهب ليخْرج فلمْ يسْتطعْ لسمنه، فضربه حتّى قتله، فهكذا تخْرجون منْ بلادنا. ثمّ اسْتشاط غضبًا، وأقْسم بالشّمْس لأقْتلنّكمْ غدًا. فقال الْمغيرة: ستعْلم. ثمّ قال رسْتم للْمغيرة: قدْ أمرْت لكمْ بكسْوةٍ، ولأميركمْ بألْف دينارٍ وكسْوةٍ ومرْكوبٍ وتنْصرفون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت