هذا بعض ما تنطوى عليه التجربة في كيانها، ولكن القوم لا يرون إلا ما يطفو على ظاهرها، وأنها ليست إلا تحكما من طالوت، لا يمليه عليه إلا حبّ التسلط والاستبداد، وهذا ما يضاعف من كمدهم وحقدهم .. ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم .. إنهم يحومون حول الماء ولا يردونه، وتحترق أكبادهم ظمأ ويحرم عليهم أن يشربوا منه .. «كَذلِكَ الْعَذابُ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ» (16:فصلت) .
وإن القوم لعلى ما هم عليه من فساد طوية واعتلال نية .. فخرجوا عن أمر نبيهم، وشربوا من النهر وعبّوا، إلا قليلا منهم ممن عافاه الله من هذه المحنة، فتجنّب النهر ولم يشرب منه! وقد اعتزل طالوت أولئك الذين شربوا، وخلص بالذين لم يشربوا أو اغترفوا غرفة بأيديهم .. وحين رأى القوم عدوّهم يقودهم قائدهم الجبار «جالوت» فزعوا واضطربوا وقالوا: «لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ» ولكن قلة قليلة منهم ممن آمن بالله، ووثق بما أعده في الآخرة لعباده المؤمنين، فآثروا الآخرة على الدنيا، وزهدوا بما في أيديهم طمعا بما في يد الله- هؤلاء لم يلتفوا إلى ماوراءهم من أهل وولد ومال، ولم يخفهم الموت الراصد لهم في يد أعدائهم، فلم يهابوا العدوّ وكثرته وقوته، وأطمعهم هذا الشعور في عدوّهم، ورأوا أنهم في قلتهم المؤمنة الصابرة أقوى من عدوّهم الذي لا يؤمن بالله ولا يصبر على المكروه، إلا طمعا في مغانم الدنيا ومتاعها .. وإذ قال غيرهم: «لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ» قالوا هم: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» .
تلك عاقبة الصابرين في مواقع الحق، المجاهدين في سبيل الله، على بصيرة وهدى، لا يخطئهم النصر أبدا.
وواضح من الآية الكريمة أن داود عليه السلام كان في هذه الحرب جنديا من جنود طالوت، وأنه ببسالته وشجاعته قد تولى قتل قائد العدو جالوت، وبفعله هذا كان النصر والغلب .. ثم كان من فضل الله على داود بعد هذا أن أتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء من علمه، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع للحرب، وجعل لصوته من حسن النغم ما جعل الحياة كلها من حوله تنسجم معه، وتستجيب له، وإذا هى معه صوت