وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق. لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن.
ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة النقض والوفاء وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة اللّه:
«لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ - إِنْ شاءَ - أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» .. ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد - ليرد الأمر كله إلى اللّه، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع. فليس شيء منها عبثا ولا مصادفة. إنما تقع وفق حكمة مقدرة، وتدبير قاصد. وتنتهي إلى ما شاء اللّه من العواقب. وفيها تتجلى رحمة اللّه بعباده. ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر: «إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» [1] ..
ـــــــــــــ
النصر من عند الله:
قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) } [آل عمران]
وما جعل الله وعْده للْمسْلمين منْ إمْدادهمْ بالملائكة في المعْركة إلاّ بشْرى للْمؤْمنين، وتثْبيتًا لقلوبهم التي تطرّق إليها الخوْف منْ كثْرة عدد الكفّار، وقوّة اسْتعْدادهمْ. وليْس النّصْر إلاّ منْ عنْد الله، وهو قادرٌ على أنْ ينْصر المسْلمين دون اشْتراكهمْ في القتال.
لقدْ أمر الله تعالى المسْلمين بالجهاد لما في ذلك من الحكْمة التي يراها سبْحانه وتعالى، وذلك ليسهّل إهْلاك طائفةٍ من الكافرين، فينْقص عددهمْ بالقتْل، أوْ ينْقص منْ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3608)