سلْطانهمْ بالقهْر، أوْ ينْقص منْ أمْوالهمْ بالغنيمة، أوْ ينْقص منْ تأْثيرهمْ في الأرْض بالهزيمة، أوْ يصْرفهمْ مهْزومين أذْلاّء فيعودوا خائبين مقْهورين لا أمل لهمْ في نصْرٍ.
ينبّه الله تعالى رسوله الكريم إلى أنّ الأمْر كلّه لله، وليْس للنّبيّ شيْءٌ من الحكْم والتّصرّف في أمْر العباد، غيْر ما أمره منْ إبْلاغهمْ رسالة ربّهمْ، وهو تعالى إمّا أنْ يتوب عليْهمْ ممّا همْ فيه من الكفْر، فيهْديهمْ بعْد الضّلالة، وإمّا أنْ يعذّبهمْ على كفْرهمْ في الدّنيا والآخرة، ويكْبتهمْ ويذلّهمْ لأنّهمْ يسْتحقّون ذلك بسبب ظلْمهمْ. [1]
يستمع المسلمون بعد هذا إلى قوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» فيستشعرون أن تلك الأمداد العلويّة، لا تجىء إليهم من بعيد، وإنما هى شرارات من الإيمان والصبر، تنطلق من داخل أنفسهم، فتشتعل بنور الله، فإذا هى قوى يبلغ بها الإنسان في ميدان القتال، ما لا يبلغ خمسة من الرجال، لا يملكون تلك القوى في هذا الميدان! وهنا يلتفت المسلمون إلى أنفسهم التفاتا قويّا، يفتشون عن مواطن القوة والضعف في إيمانهم وصبرهم، حتى يكونوا على الشرط الذي اشترطه الله عليهم، ليمدّهم بالقوة، وليمكّن لهم من عدوهم.
وتجىء آيات القرآن الكريم، لتلتقى مع هذا الشعور، الذي يفتش فيه المسلمون عن أنفسهم، ولتكون في مجال البصر وهم يرتادون مواقع الخير الذي يدنيهم من التقوى، ويمكن لهم من الصبر .. وإذا في الآيات التي يتلوها الرسول عليهم بعد أن تلقاها من ربّه لساعته- إذا في هذه الآيات الدواء والشفاء، إذ يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:419، بترقيم الشاملة آليا)