بعْدها، وقدْ صدق الله وعْده فقتل المسْلمون بني قريْظة، وأجْلوا بني النّضير وبني قيْنقاع، وفتحوا خيْبر).
ثمّ حذّرهم الله تعالى وأنْذرهمْ بألاّ يعْترّوا بكثْرة العدد والعدّة، فلهمْ فيما يشاهدونه عبْرةٌ. فأمر رسوله بأنْ يقول للهود الذين قالوا له ما قالوا: إنّ الله معزٌّ دنيه، وناصرٌ رسوله، وإنّ الدّليل على ذلك ما أظْهره الله يوْم بدْرٍ، إذ التقتْ فئتان في ساحة الحرْب فئةٌ مؤْمنةٌ تقاتل في سبيل إعلاء كلمة الله، ونصْر دينه، (وهم المسْلمون) ،وفئةٌ أخْرى كافرةٌ (وهمْ مشْركو قريشٍ) .وقدْ أرى الله تعالى المشْركين المسْلمين في مثْلي عدد المشْركين (أيْ قريبًا منْ ألْفي مقاتلٍ) بصورةٍ جليّةٍ واضحةٍ، وهمْ إنّما كانوا في الحقيقة ثلاثمئةٍ وسبْعة عشر رجلًا، وكان ضّلك إضْعافًا لقلوب المشْركين، وليهابوا المسْلمين، وليجْبنوا عنْ قتالهمْ، وكان ذلك مددًا من الله، كما أمدّهمْ بالملائكة. وقدْ أرى الله المسْلمين المشْركين قليلي العدد ليجْترئوا عليهمْ.
ودارت المعْركة فانْتصر جنْد الله، وأعزّ الله دينه، وقتل رؤوس الكفْر. وفي ذلك عبْرةٌ لأولي البصائر ليهْتدوا إلى حكم الله وأفْعاله وقدره الجاري بنصْر عباده المؤْمنين الذين يمْتثلون لما أوْصاهمْ به ربّهمْ بقدر طاقتهمْ، فيقاتلون ثابتين واثقين بنصْر الله [1] .
وهذا عرض لبعض ما يقع في يوم البعث، وما يلقى فيه الذين كفروا بالله وباليوم الآخر من نكال وبلاء، حيث يدعّون إلى نار جهنّم دعّا. فلا يغنى عنهم في ردّ هذا البلاء ما كان لهم من مال وبنين، ومن أهل وصديق، فلقد أفردوا من كل شىء، وصفرت أيديهم من كل شىء، ومنادى الحق يناديهمَ قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا» (48:الكهف) .. وفى هذا ما يفتح أنظار الغافلين عن هذا اليوم، إلى ما فيه من أهوال ونكال، لأهل الزيغ والضلال، فيحذرون هذا المصير المشئوم.
وقد ضرب الله سبحانه وتعالى للكافرين مثلا بآل فرعون- وهم جماعة الفراعين- الذين استكثروا من الدنيا، وبلغوا من السلطان والقوة ما بلغوا، حيث استطالوا بما في أيديهم من
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:304، بترقيم الشاملة آليا)