وبهذا يكون المؤمنون جميعا في ميدان المعركة. سواء منهم من شهدها وحارب فيها، أو من تخلّف، بما معه من عذر، ونصح لله ورسوله، في سلوكه الطيب، مع من يخلّفهم المحاربون وراءهم من أهل وولد، وفى مشاعره المتجهة إلى المجاهدين في ميدان القتال، والدعاء لهم بالنصر وتمنّيه لهم ..
وقوله تعالى: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» إشارة إلى أن هذا الذي يبدله المتخلفون من ذوى الأعذار، من نصح لله ورسوله، وراء جبهة القتال، هو غاية ما في مستطاع هؤلاء المتخلفين، وهو ميدانهم الذي يكون لهم فيه عمل وإحسان .. «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها» .فإذا أعطى المؤمن- في باب الإحسان- ما وسعته نفسه، فهو في المحسنين .. [1]
يقول تعالى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الذين كذبوا الله ورسوله منهم، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: {الْمُعَذِّرُونَ} أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعذرهم، ومن عادته أن يعذر من له عذر. {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم توعدهم بقوله: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدنيا والآخرة. [2]
وفي الظلال:
ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا يجد لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم عليه إلى أرض المعركة .. من جناح ولا حرج إذا هم تخلفوا عن المعركة .. إنما الجناح والحرج على الذين يستأذنون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في القعود وهم أغنياء قادرون، لا يقعدهم عذر حقيقي عن الخروج .. إنما الجناح والحرج على هؤلاء القادرين الذين يرضون أن يقعدوا قعدة الخوالف في الدور ..
(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 866)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:347)