فهرس الكتاب

الصفحة 2912 من 3472

قعودهمْ، فأعْرضوا عنْهمْ إعْراض الاحْتقار والاسْتصْغار، لا إعْراض الصّفْح، وقبول العذْر، إنّهمْ رجْسٌ ودنسٌ مؤْذٍ للنّفوس المؤْمنة الكريمة، يجب الاحْتراس منْهمْ، والابْتعاد عنْهمْ، لكيْلًا تلْحق عدْواهمْ بالمؤْمنين. وستكون نار جهنّم مسْتقرّهمْ، وجزاءهمْ، ومأْواهم الأخير. وهمْ إنّما يحْلفون لكمْ لترْضوْا عنْهمْ، ولكنْ إذا خدعْتمْ أنْتمْ بأيْمانهمْ، ورضيتمْ أنْتمْ عنْهمْ، فهذا الرّضا لا ينْفعهمْ في شيءٍ، لأنّ الله لا يرْضى عن القوْم الفاسقين، الخارجين عنْ طاعته، وطاعة رسوله [1] .

أما أصحاب الأعذار الحقيقة فقد أغناهم الله سبحانه وتعالى عن أن يقفوا هذا الموقف، فعذرهم لله قبل أن يعتدروا، ورفع عنهم الحرج، في قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» فهؤلاء أصحاب أعذار ظاهرة، ينطق بها لسان الحال، قبل أن ينطق بها لسان المقال .. فالشريعة الإسلامية قائمة على اليسر، ورفع الحرج عن المؤمنين، فلا إعنات فيها، ولا مشقّة أو عسر في تكاليفها .. «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها.» فالضعفاء .. من شيوخ، وأطفال، ونساء، وعبيد وإماء، والمرضى وأصحاب العاهات المانعة من السفر والقتال- هؤلاء جميعا ومن في حكمهم لا حرج عليهم في أن يتخلفوا عن ركب المجاهدين، «إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» أي إذا كانت قلوبهم سليمة عامرة بالإيمان، تربط مشاعرهم بمشاعر المؤمنين المجاهدين في سبيل الله .. فهم مع المجاهدين بمشاعرهم كلها. يدعون لهم بالنضر، ويتمنون لهم الغلب والسّلامة، ويخلفونهم في أهلهم، ويقومون على رعاية أبنائهم وأزواجهم، وقضاء حوائجهم، ورفع الضرّ عنهم، ومواساة من أصيب منهم في أب، أو أخ، أو زوج، إلى غير ذلك ممّا يبعث في نفس المجاهد الطمأنينة، ويطلق يديه كليهما، ووجوده كلّه، للعمل في ميدان المعركة، ومواجهة العدوّ ..

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1327، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت