فهرس الكتاب

الصفحة 2919 من 3472

حينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم منْطلقًا في الطّريق إلى غزْوة تبوك قال بعْض المنافقين لبعْضٍ: أتحْسبون جلاد بني الأصْفر (يعْني الرّوم) كقتال العرب بعْضهمْ بعْضًا، والله لكأنّنا بكمْ غدًا مقْرّنين في الحبال؟ وكان هؤلاء يقولون هذا القوْل إرْجافًا، وترْهيبًا للْمسْلمين. فقال الرّسول عليْه الصّلاة والسّلام لعمّار بْن ياسرٍ: أدْرك القوْم فقد احْترقوا، فاسْألْهمْ عمّا قالوا، فإنْ أنْكروا فقلْ بلى قلْتمْ كذا وكذا .. فقال لهمْ عمّار ذلك فأتوْا إلى رسول الله يعْتذرون إليْه، وقال أحدهمْ: يا رسول الله، إنّما كنّا نخوض ونلْعب. أيْ إنّهمْ لمْ يكونوا جادّين فيما يقولون، وإنّما قالوا ما قالوا للتّسلّي والتّلهّي، وفي ظنّهمْ أنّ هذا عذْرٌ مقْبولٌ، ولمْ يعْلموا أنّ اتخاذ الدّين هزْوًا ولعبًا كفْرٌ محْضٌ، لأنّ الخوْض والّلعب في صفات الله، وشرْعه وآياته، المنْزّلة هو اسْتهْزاءٌ بها.

يقول الله تعالى لهؤلاء المنافقين: لا تعْتذروا عمّا قلْتمْ، فقدْ كفرْتمْ بهذا القوْل الذي اسْتهْزأْتمْ به بآيات الله. واعْتذاركمْ هو إقْرارٌ بذنْبكمْ، فإنْ يعْف الله تعالى عنْ بعْضكمْ لتوْبتهمْ، فإنّه سيعذّب بعْضًا آخر لأنّهمْ كانوا مجْرمين بهذه المقالة الفاجرة، ولأنّهمْ ظلّوا مصرّين على نفاقهمْ. [1]

وهذا صنف آخر من أصناف المنافقين، ووجه من وجوههم المنكرة .. صنف يتخذ من الاستهزاء بالنبيّ والسخرية منه، مادّة يطعم منها في شراهة ونهم، ليشبع بذلك جوعا مسعورا من الحقد على الإسلام، والشنآن له، وللرسول الذي حمل رسالته.

وقد ضبط القرآن الكريم هذه الجماعة الآثمة، وهى قائمة على هذا الإثم، تلوكه في أفواهها المنكرة، كما تلوك الكلاب قطعا من العظم الرميم ..

فكان ذلك فضحا لهم على الملأ، وخزيا متنقلا معهم في كل مكان، ينادى عليهم بالذلة والمهانة والصغار! يقولون- خرست ألسنتهم- عن النبي الكريم: هو «أذن» أي يعطى أذنه لكل قائل يلقى فيها ما يقول له! فكلمات النفاق الكاذبة التي يلقونها بين يدى النبىّ، ويحلفون عليها كذبا وزورا- هذه الكلمات يخيّل إليهم أن النبىّ الكريم- إذ يقبلها منهم، أو يسكت عليها فلا يبهتهم بها- أنه يحمل كلماتهم الكاذبة المنافقة تلك، محمل

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1298، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت