فهرس الكتاب

الصفحة 2970 من 3472

وهمْ منْ شدّة دهْشتهمْ، وضعْف إيمانهمْ لا يزالون يظنّون أنّ الأحزاب منْ قريشٍ وغطْفان .. لمْ يرْحلوا عن المدينة، وقدْ هزمهم الله ورحلوا. وإذا عاد الأحْزاب مرّةً أخْرى لقتال المسْلمين في المدينة وحصارها، تمنّوا لوْ أنّهمْ كانوا مقيمين في البادية بين الأعراب بعيدًا عن المدينة، حتّى لا يلْحق بهمْ مكْروهٌ، ويكْتفون بالسّؤال عنْ أخْباركمْ كلّ قادمٍ إليهمْ منْ جهة المدينة. ولوْ أنّ هؤلاء المنافقين كانوا بيْنكمْ أثْناء القتال لما قاتلوا معكمْ إلاّ قتالًا يسيرًا رياءً وخوْفًا من المعْركة، لا قتالًا يرْجون به ثواب الله في الآخرة [1] .

قوله تعالى: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا» ..

العطف هنا على قوله تعالى: «وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» فهذه حال من تلك الأحوال التي عرضت للمسلمين يومئذ، وهى أن المنافقين ومن في قلوبهم مرض من المؤمنين، قد كانوا من الذين ظنوا بالله ظن السوء .. فكان قولهم في مواجهة هذا الابتلاء، هو الكفر الصريح:

«ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا» .. أي أكاذيب وأباطيل، وأمانىّ من من الخداع، والتغرير .. وهكذا تكشف الشدائد والمحن عن معادن الناس، وعن مطويات الضمائر، وما تخفى الصدور ..

قوله تعالى: «وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا» ..

هو معطوف على ما قبله، وهو بيان لمقولة طائفة من طوائف هؤلاء المنافقين ومن في قلوبهم مرض .. إنهم لم يقفوا عند حدّ هذه الوساوس السوء من الظنون، بل جاوزوا هذا إلى إذاعتها في الناس، وإلى تيئيسهم، وزعزعة إيمانهم .. فينادون في الناس بهذا النداء الشيطاني المشئوم: «يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا»

أي ماذا تنتظرون؟ وما متعلقكم بهذه الأمانى الباطلة؟

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3426، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت