وهذا العهد، هو أن يطيعوا الله والرسول، وأن يجاهدوا في سبيل الله، وألّا يولّوا الأدبار .. وفي هذا يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (15 - 16:الأنفال) .. فهذا هو عهد الله الذي أخذه على المؤمنين، وقد دخلوا في دين الله على هذا العهد ..
وفي قوله تعالى: «وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا» - إشارة إلى أن عهد الله أشبه بكائن حىّ مجسد، وأنه يقوم في الناس مقام الرسول المبلّغ عن ربه .. ولهذا فهو يسأل عمن أوفى به، ومن نكث، كما يسأل الرسل عمن آمن بهم ومن كفر، كما يقول الله تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ» (109:المائدة) .. وفي هذا تعظيم لعهد الله، وما ينبغى أن يكون له في الناس من إكبار وإجلال.
قوله تعالى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» .
هو قطع لتلك الآمال الكاذبة التي يعيش فيها أولئك الذين فروا من ميدان القتال، ظانّين أن ذلك يحفظ عليهم حياتهم، ويرد غائلة الموت عنهم ..
وهم في هذا مخدوعون، قد غطّى على أبصارهم حبّ الحياة، حتى لقد أنساهم ذلك، تلك الحقيقة الماثلة أمامهم، وأنهم مقضى عليهم بالموت المحكوم به على كل حى ..
فهذا الفرار من الموت- على أي صورة من صوره، حتفا، أو قتلا- إلى أين ينتهى بهم الطريق الذي يركبونه فارين منه؟ إنه منته بهم إلى الموت حتما ..
إن لم يكن اليوم فغدا، أو بعد غد .. إنه آت لا شك فيه، طال الطريق أم قصر .. والله سبحانه وتعالى يقول: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ» (8:الجمعة) ويقول سبحانه: «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ» (78:النساء) .- وفي قوله تعالى: «وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» - أي أن هذا الفرار لا يعصمكم من الموت الذي يترصدكم، ويتربص بكم الساعة التي تنتهى فيها آجالكم. «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» (34:الأعراف) ..