ممتحنا لهم: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي: سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم. {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، {فَإِنْ تُطِيعُوا} الداعي لكم إلى قتال هؤلاء {يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا} وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ} عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله، {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك. [1]
وفي الظلال:
وتختلف الأقوال كذلك في من هم القوم أولوا البأس الشديد. وهل كانوا على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أم على عهود خلفائه. والأقرب أن يكون ذلك في حياة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليمحص اللّه إيمان هؤلاء الأعراب من حول المدينة.
والمهم أن نلحظ طريقة التربية القرآنية، وطريقة علاج النفوس والقلوب، بالتوجيهات القرآنية، والابتلاء ات الواقعية. وهذا كله ظاهر في كشف نفوسهم لهم وللمؤمنين، وفي توجيههم إلى الحقائق والقيم وقواعد السلوك الإيماني القويم.
ولما كان المفهوم من ذلك الابتلاء فرض الخروج على الجميع، فقد بين اللّه أصحاب الأعذار الحقيقة الذين يحق لهم التخلف عن الجهاد، بلا حرج ولا عقاب: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا» ..
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:793)