كَذَلِكَ، قِيلَ: يَأْثَمُ فِيهِمَا، وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ فِيهِمَا، وَقِيلَ: يَأْثَمُ فِي الْحَجِّ دُونَ الصَّلَاةِ اه. وَالْأَخِيرُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا. [1]
إن «الجهاد» ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة. إنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة! وليست المسألة - كما توهم بعض المخلصين - أن الإسلام نشأ في عصر الإمبراطوريات فاندس في تصورات أهله - اقتباسا مما حولهم - أنه لا بد لهم من قوة قاهرة لحفظ التوازن! هذه المقررات تشهد - على الأقل - بقلة ملابسة طبيعة الإسلام الأصيلة لنفوس هؤلاء القائلين بهذه التكهنات والظنون.
لو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب كتاب اللّه في مثل هذا الأسلوب! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي مثل هذا الأسلوب ..
لو كان الجهاد ملابسة طارئة ما قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» [2] ..
ولئن كان - صلى الله عليه وسلم - رد في حالات فردية بعض المجاهدين، لظروف عائلية لهم خاصة، كالذي جاء في الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُجَاهِدُ؟ فقَالَ: لَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ." [3] .. لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية لا تنقض القاعدة العامة وفرد واحد لا ينقص المجاهدين الكثيرين. ولعله - صلى الله عليه وسلم - على عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا، كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه، ما جعله يوجهه هذا التوجيه .."
فلا يقولن أحد - بسبب ذلك - إنما كان الجهاد ملابسة طارئة بسبب ظروف. وقد تغيرت هذه الظروف! وليس ذلك لأن الإسلام يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2470)
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (5040)
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (5972) وصحيح ابن حبان - (2/ 164) (420)