فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 3472

وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية، موصول الماضي بالحاضر: «ملّة أبيكمْ إبْراهيم» وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - فلم تنقطع من الأرض، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام. وقد سمى اللّه هذه الأمة الموحدة بالمسلمين. سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن: «هو سمّاكم الْمسْلمين منْ قبْل وفي هذا» ..

والإسلام إسلام الوجه والقلب للّه وحده بلا شريك. فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات. حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وحتى سلمت إليها الأمانة، وعهد إليها بالوصاية على البشرية. فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها اللّه: «ليكون الرّسول شهيدًا عليْكمْ وتكونوا شهداء على النّاس» .. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يشهد على هذه الأمة، ويحدد نهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها. وهي تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوّامة على البشرية بعد نبيها وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة. ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج، المختار من اللّه.

ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية. حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها اللّه عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة. وما تزال. ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له اللّه.

هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد .. ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام باللّه: «فأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة واعْتصموا باللّه. هو موْلاكمْ. فنعْم الْموْلى ونعْم النّصير» .. فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد. والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد. والاعتصام باللّه العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد.

بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها اللّه. وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت