بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه، ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس. والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني، وواقعه العملي. وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف. فلا بد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله، حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية.
«أولئك هم الصّادقون» .. الصادقون في عقيدتهم. الصادقون حين يقولون: إنهم مؤمنون. فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب، ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة، فالإيمان لا يتحقق. والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون.
ونقف قليلا أمام هذا الاحتراس المعترض في الآية: «إنّما الْمؤْمنون الّذين آمنوا باللّه ورسوله - ثمّ لمْ يرْتابوا -» .. إنه ليس مجرد عبارة. إنما هو لمس لتجربة شعورية واقعية. وعلاج لحالة تقوم في النفس. حتى بعد إيمانها ..
«ثمّ لمْ يرْتابوا» وشبيه بها الاحتراس في قوله تعالى .. «إنّ الّذين قالوا ربّنا اللّه .. ثمّ اسْتقاموا .. » فعدم الارتياب. والاستقامة على قولة: ربنا اللّه. تشير إلى ما قد يعتور النفس المؤمنة - تحت تأثير التجارب القاسية، والابتلاء ات الشديدة - من ارتياب ومن اضطراب. وإن النفس المؤمنة لتصطدم في الحياة بشدائد تزلزل، ونوازل تزعزع. والتي تثبت فلا تضطرب، وتثق فلا ترتاب، وتظل مستقيمة موصولة هي التي تستحق هذه الدرجة عند اللّه.
والتعبير على هذا النحو ينبه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق، وأخطار الرحلة، لتعزم أمرها، وتحتسب، وتستقيم، ولا ترتاب عند ما يدلهم الأفق، ويظلم الجو، وتناوحها العواصف والرياح! .. [1]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4194)