أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تُنْزِلْهُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَحْكُمُ اللَّهُ فِيهِمْ، وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ، ثُمَّ اقْضُوا فِيهِمْ بَعْدُ مَا شِئْتُمْ" [1] "
قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ؟
قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَقُولُ لَا أَرَى أَنْ يُقَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يُدْعَوْا، قُلْت: وَلَا يَبِيتُونَ حَتَّى يُدْعَوْا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: وَسَوَاءٌ إنْ غَزَوْنَاهُمْ نَحْنُ أَوْ أَقْبَلُوا هُمْ إلَيْنَا غُزَاةً فَدَخَلُوا بِلَادَنَا، لَا نُقَاتِلُهُمْ نَحْنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ حَتَّى نَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك بِقَوْلِ مَالِكٍ وَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ هَذَا وَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ عِنْدِي. قُلْت: وَكَيْفَ الدَّعْوَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ نَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُسَلِّمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَمَّا مَنْ قَارَبَ الدَّوَابِّ فَالدَّعْوَةُ مَطْرُوحَةٌ عَنْهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُدْعَوْنَ إلَيْهِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ مِنْ طُولِ مُعَارَضَتِهِمْ لِلْجُيُوشِ وَمُحَارَبَتِهِمْ لَهُمْ، فَلْتُطْلَبْ غِرَّتُهُمْ وَلَا يُحْدِثُ لَهُمْ الدَّعْوَةَ إلَّا تَحْذِيرًا وَأَخْذَ الْعُدَّةِ لِمُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْعًا لِمَا رَجَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ وَخِيفَ أَنْ لَا تَكُونَ نَاحِيَتُهُ نَاحِيَةَ مَنْ أَعْلَمْتُك، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ أَقْطَعُ لِلشَّكِّ وَأَبَرُّ لِلْجِهَادِ يَبْلُغُ ذَلِكَ بِك، وَبِهِ مَا بَلَغَ وَبِهَا تَنَالُ عِلْمَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِجَابَةِ لَك. ابْنُ وَهْبٍ: وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا وَإِنْ ظَنَنْت أَنَّهُ عَالَمٌ، اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ لَهِيعَةَ وَعُمَيْرَةُ بْنُ أَبِي نَاجِيَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِابْتِغَاءِ عَوْرَةِ الْعَدُوِّ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، لِأَنَّ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَ إلَى خَيْبَرَ فَقَتَلُوا أَمِيرَهُمْ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ غِيلَةً [2] ،وَإِلَى صَاحِبِ بَنِي لِحْيَانَ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً، وَبَعَثَ نَفَرًا فَقَتَلُوا آخَرِينَ إلَى جَانِبِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْيَهُودِ مِنْهُمْ ابْنُ الْأَشْرَفِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَأْمُرُ أُمَرَاءَ جُيُوشِهِ أَنْ لَا يَنْزِلُوا بِأَحَدٍ مِنْ الْعَدُوِّ إلَّا دَعَوْهُمْ، قَالَ ابْنُ يَحْيَى: وَلَعَمْرِي إنَّهُ لَحَقِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَنْزِلُوا بِأَحَدٍ مِنْ
(1) - سنن أبي داود (3/ 37) (2612) صحيح وانظر المدونة 3/ 2
(2) - أخرجه البخاري (الفتح 7/ 340 - ط السلفية) من حديث البراء بن عازب