موصوفون بها، المقتضية لقتالهم فقال: {ألا تقاتلون قوْمًا نكثوا أيْمانهمْ وهمّوا بإخْراج الرّسول} الذي يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه؟ وهم هموا أن يجلوه ويخرجوه من وطنه وسعوا في ذلك ما أمكنهم، {وهمْ بدءوكمْ أوّل مرّةٍ} حيث نقضوا العهد وأعانوا عليكم، وذلك حيث عاونتقريش -وهم معاهدون- بني بكر حلفاءهم على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقاتلوا معهم كما هو مذكور مبسوط في السيرة. {أتخْشوْنهمْ} في ترك قتالهم {فاللّه أحقّ أنْ تخْشوْه إنْ كنْتمْ مؤْمنين} فإنه أمركم بقتالهم، وأكد ذلك عليكم غاية التأكيد. فإن كنتم مؤمنين فامتثلوا لأمر اللّه، ولا تخشوهم فتتركوا أمر اللّه، ثم أمر بقتالهم وذكر ما يترتب على قتالهم من الفوائد، وكل هذا حث وإنهاض للمؤمنين على قتالهم [1]
تجيء هذه الفقرة بعد الفقرة السابقة التي تقرر فيها الاستنكار من ناحية المبدأ لأن يكون للمشركين عهد عند اللّه وعند رسوله والأمر بتخيير المشركين في الجزيرة بين الدخول فيما دخل فيه المسلمون أو قتالهم - إلا من استجار فيجار حتى يسمع كلام اللّه ثم يبلغ مأمنه خارج دار الإسلام - وبيان علة هذا الاستنكار وهي أنهم لا يرعون إلّا ولا ذمة في مؤمن متى ظهروا على المؤمنين.
تجيء هذه الفقرة لمواجهة ما حاك في نفوس الجماعة المسلمة - بمستوياتها المختلفة التي سبق الحديث عنها - من تردد وتهيب للإقدام على هذه الخطوة الحاسمة! ومن رغبة وتعلل في أن يفيء المشركون الباقون إلى الإسلام دون اللجوء إلى القتال الشامل! ومن خوف على النفوس والمصالح وركون إلى أيسر الوسائل! ...
والنصوص القرآنية تواجه هذه المشاعر والمخاوف والتعلات باستجاشة قلوب المسلمين بالذكريات والأحداث القريبة والبعيدة. تذكرهم بنقض المشركين لما أبرموه معهم من عقود وما عقدوه معهم من أيمان. وتذكرهم بماهمّ به المشركون من إخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة قبل الهجرة. وتذكرهم بأن المشركين هم الذين بدأوهم بالاعتداء في المدينة .. ثم تثير فيهم الحياء والنخوة أن يكونوا إنما يخشون لقاء المشركين.
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 330)