سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] .
يُعَاتِبُ اللهُ تَعَالَى المُتَخَلِّفِينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَإِيثَارِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ وَيَخُصُّ بِالعِتَابِ أَهْلَ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَإِنَّهُمْ نَقَصُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الأَجْرِ، لأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ عَطَشٌ وَلاَ تَعَبٌ وَلاَ مَجَاعَةٌ (مَخْمَصَةٌ) ،وَلاَ يَنْزِلُونَ مَنْزِلًا يُرْهِبُ الكُفَّارَ، وَيَغِيظُهُمْ، وَلاَ يُحَقِّقُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ ظَفَرًا وَغَلَبَةً .. إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُمْ بِهذِهِ الأَعْمَالِ، ثَوَابَ عَمَلٍ صَالِحٍ جَزِيلٍ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. [1]
وللخيلاء صورتان:
الصورة الأولى: إظهار التجلد للعدو، حتى ولو كان المجاهد ضعيفًا لمرض أو جوع أو عطش أو كبر أو غير ذلك، ليبدو للعدو قويًا فيهابه. يدلُّ على هذا أمر النبي صلى اله عليه وسلم أصحابه أن يسارعوا في طوافهم بالبيت عند قدومهم لأداء العمرة في عمرة القضاء، وقد قال المشركون أضعفتهم حمى يثرب، ليعلم المشركون أن الصحابة أقوياء وليسوا ضعفاء، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، «وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ، أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَادَ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَامِهِ الَّذِي اسْتَأْمَنَ، قَالَ: «ارْمُلُوا» لِيَرَى المُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ، وَالمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ" [2] "
وقوله: (ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) يدل على أن الرمل في الثلاثة أشواط كلها من الحجر إلى الحجر هو السنة، وإنما خفف الرسول صلى الله عليه وسلم
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1356،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (5/ 142) (4256) وصحيح مسلم (2/ 923) 240 - (1266)
[ش (لعامه الذي استأمن) عام عمرة القضاء حيث أمنته قريش حتى يدخل مكة ويعتمر. (من قبل) من جهة. (قعيقعان) جبل في مكة كانت قريش مشرفة من عليه]
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إظْهَارِ الْقُوَّةِ بِالْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ إرْهَابًا لَهُمْ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيَاءِ الْمَذْمُومِ وَفِيهِ جَوَازُ الْمَعَارِيضِ بِالْفِعْلِ كَمَا تَجُوزُ بِالْقَوْلِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ أَوْلَى. نيل الأوطار (5/ 48)