الجماعة، ويستدعي تجمعها له .. ومع هذا فالقرآن يدع الرأي في الإذن أو عدمه للرسول - صلى الله عليه وسلم - رئيس الجماعة. بعد أن يبيح له حرية الإذن: «فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ» .. (وكان قد عاتبه على الإذن للمنافقين من قبل فقال: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ! لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» ) ... يدع له الرأي فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، فيرفع الحرج عن عدم الإذن، وقد تكون هناك ضرورة ملحة. ويستبقي حرية التقدير لقائد الجماعة ليوازن بين المصلحة في البقاء والمصلحة في الانصراف. ويترك له الكلمة الأخيرة في هذه المسألة التنظيمية يدبرها بما يراه.
ومع هذا يشير إلى أن مغالبة الضرورة، وعدم الانصراف هو الأولى، وأن الاستئذان والذهاب فيهما تقصير أو قصور يقتضي استغفار النبي صلى الله عليه وسلم- للمعتذرين: «وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .. وبذلك يقيد ضمير المؤمن. فلا يستأذن وله مندوحة لقهر العذر الذي يدفع به إلى الاستئذان. [1]
فقد حصر الله تعالى في هذه الآية الكريمة في مطلعها المؤمنين فيمن اتصفوا بالإيمان به وبرسوله، وبعدم الذهاب بدون إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع، كما جعل الاستئذان في وسط الآية من علامة الإيمان به وبرسوله، وجعل تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم مخيرا في آخر الآية في الإذن لمن شاء، مع الاستغفار لمن أذن له، لما في استئذانه من تركٍ للشأن العام الذي تعود مصلحته لعامة المسلمين، بخلاف شأنه الخاص، مهما كانت أهميته.
قال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية:"يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا الْمُؤْمِنُونَ حَقَّ الْإِيمَانِ، إِلَّا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ} [النور:62] يَقُولُ: وَإِذَا كَانُوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، {عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} [النور:62] يَقُولُ: عَلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ جَمِيعَهُمْ مِنْ حَرْبٍ حَضَرَتْ، أَوْ صَلَاةٍ اجْتَمَعَ لَهَا، أَوْ تُشَاوُرٍ فِي أَمْرٍ نَزَلَ؛ {لَمْ يَذْهَبُوا} [النور:62] يَقُولُ: لَمْ يَنْصَرِفُوا عَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ، حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم."
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَنْصَرِفُونَ يَا مُحَمَّدُ إِذَا كَانُوا مَعَكَ فِي أَمْرٍ جَامِعٍ، عَنْكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ لَهُمْ، طَاعَةً مِنْهُمْ لِلَّهِ وَلَكَ , وَتَصْدِيقًا بِمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3269)