نَعَمْ: إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الرَّحْمَةِ قَدْ مَنَعَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الظَّالِمُونَ وَالْجَبَّارُونَ مِنَ الْمُلُوكِ بِأَعْدَائِهِمْ، كَأَصْحَابِ الْأُخْدُودِ الْمُلْعُونِينَ فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ، وَلَكِنْ مِنَ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ أَنْ يُعَدَّ حَرْبُ الْأَسْلِحَةِ النَّارِيَّةِ لِلْأَعْدَاءِ الَّذِينَ يُحَارِبُونَنَا بِهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ دِينَنَا دِينُ الرَّحْمَةِ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَمِلَ قَتْلَهُمْ إِيَّانَا بِهَذِهِ الْمَدَافِعِ، وَأَلَّا نُقَاتِلَهُمْ بِهَا رَحْمَةً بِهِمْ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا فِي التَّعَامُلِ فِيمَا بَيْنَنَا أَنْ نَجْزِيَ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا عَمَلًا بِالْعَدْلِ، وَجَعَلَ الْعَفْوَ فَضِيلَةً لَا فَرِيضَةً فَقَالَ: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (42:40 و14) إِلَى أَخِرِ الْآيَاتِ. وَقَالَ: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (16:126) أَفَلَا يَكُونُ مِنَ الْعَدْلِ بَلْ فَوْقَ الْعَدْلِ فِي الْأَعْدَاءِ أَنْ نُعَامِلَهُمْ بِمِثْلِ الْعَدْلِ الَّذِي نُعَامِلُ بِهِ إِخْوَانَنَا أَوْ بِمَا وَرَدَ بِمَعْنَى الْآيَةِ فِي بَعْضِ الْآثَارِ، قَاتِلُوهُمْ بِمِثْلِ مَا يُقَاتِلُونَكُمْ بِهِ؟ وَهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْعَدْلِ فِي حَالِ الْحَرْبِ، نَعَمْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيقِ الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ بِالنَّارِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْهُ، عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ السَّلَفِ وَفُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، فَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ الْحَرْبِيَّةِ كَإِحْرَاقِ سُفُنِ الْحَرْبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَزَاءً بِالْمِثْلِ، وَالْجَزَاءُ أَوْلَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ فَمَعْنَاهُ: أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنَ الْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ عَتَادِ الْقِتَالِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْجُنْدُ، وَمِنَ الْفُرْسَانِ الْمُرَابِطِينَ فِي ثُغُورِكُمْ وَأَطْرَافِ بِلَادِكُمْ حَالَةَ كَوْنِكُمْ تُرْهِبُونَ بِهَذَا الْإِعْدَادِ - أَوِ الْمُسْتَطَاعِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالرِّبَاطِ - عَدُوَّ اللهِ الْكَافِرِينَ بِهِ، وَبِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَدُوَّكُمُ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ وَيُنَاجِزُونَكُمُ الْحَرْبَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ. وَالْإِرْهَابُ: الْإِيقَاعُ فِي الرَّهْبَةِ، وَمِثْلُهَا الرَّهَبُ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ الْخَوْفُ الْمُقْتَرِنُ بِالِاضْطِرَابِ، كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ. وَكَانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ وَمَنْ وَالَاهُمْ هُمُ الْجَامِعِينَ لِهَاتَيْنِ الْعَدَاوَتَيْنِ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْآيَةِ عَقِبَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَفِيهِمْ نَزَلَ فِي الْمَدِينَةِ: لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ (60:1) وَقِيلَ: يَدْخُلُ فِيهِمْ أَيْضًا مَنْ وَالَاهُمْ مِنَ الْيَهُودِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ. وَقِيلَ: لَا، وَإِيمَانُ هَؤُلَاءِ بِاللهِ وَبِالْوَحْيِ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عَلَى