تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» [1] .
وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الأمرين، فعلل نهيه عن إنزالهم على ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: (فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ) .
ومعنى إخفار ذمة الله وذمة رسوله نقض عهدهما، ومعنى ذلك أن المجاهدين قد يضطرون لنقض العهد لأي سبب من الأسباب، كأن يروا أن الكفار يعدون العدة لشن هجوم عليهم - مثلًا - وفي هذه الحال لهم الحق أن يبادروهم بالضربة التي تقضي على قوتهم، إما بدون إنذار إذا علموا - أي المسلمون - أن الكفار مصرون على قتالهم، وإما بإنذارهم ونبذ العهد إليهم، إذا ظهرت لهم علامات تدل على عزم الكفار على قتالهم، كما قال تعالى: الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا
(1) - صحيح مسلم (3/ 1357) 3 - (1731)
[ش (سرية) هي قطعة من الجيش تخرج منه تغير وتعود إليه قال إبراهيم الحربي هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها قالوا سميت سرية لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها وهي فعيلة بمعنى فاعلة يقال سرى وأسرى إذا ذهب ليلا (في خاصته) أي في حق نفس ذلك الأمير خصوصا (ولا تغلوا) من الغلول ومعناه الخيانة في الغنم أي لا تخونوا في الغنيمة (ولا تغدروا) أي ولا تنقضوا العهد (ولا تمثلوا) أي لا تشوهوا القتلى بقطع الأنوف والآذان (وليدا) أي صبيا لأنه لا يقاتل (ثم ادعهم إلى الإسلام) هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم ثم ادعهم قال القاضي عياض رضي الله عنه صواب الرواية ادعهم بإسقاط ثم وقد جاء بإسقاطها على الصواب في كتاب أبي عبيد وفي سنن أبي داود وغيرهما لأنه تفسير للخصال الثلاث وليست غيرها وقال المازري ليست ثم هنا زائدة بل دخلت لاستفتاح الكلام والأخذ (ذمة الله) الذمة هنا العهد (أن تخفروا) يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته أمنته وحميته]
هَذَا النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْوَجْهُ مَا سَلَفَ، وَلِهَذَا قَالَ - شوال:"فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ أَمْ لَا؟".وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إنَّ الْحَقَّ مَعَ وَاحِدٍ، وَأَنْ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورٌ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ مِنْ الصَّوَابِ لَا مِنْ الْإِصَابَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَنْتَهِضُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ إذْ ذَاكَ لَا تَزَالُ تَنْزِلُ وَيَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيُخَصَّصُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ - شوال - حُكْمٌ خِلَافَ الْحُكْمِ الَّذِي قَدْ عَرَفَهُ النَّاسُ. نيل الأوطار (7/ 273)
قلت: قد فصلت القول في هذا الموضوع في كتابي"الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد"وكتابي"السنة النبوية وأثرها في اختلاف الفقهاء"