فهرس الكتاب

الصفحة 3227 من 3472

الْخَاصُّ، بَلْ يَنْزِلُ عَلَى مَا عَدَا الْمَخْصُوصَ، وَلِهَذَا لَمْ يُحَرِّمُوا اسْتِرْقَاقَهُ، فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، فَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ فِي الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ. وَلَنَا، أَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَلَمْ يُقَرّ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَالْمُرْتَدِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٍ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ، فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا، وَمَتَى تَرَدَّدَ فِيهَا، فَالْقَتْلُ أَوْلَى.

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَمِيرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا يَقْتُلُ الْأَسْرَى: وَهُوَ أَفْضَلُ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: الْإِثْخَانُ أَحَبُّ إلَيَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا يَطْمَعُ بِهِ فِي الْكَثِيرِ." [1]

وقال السرخسي:"وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ مِنْ الْأَسَارَى وَلَهُ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُمْ وَيُقَسِّمَهُمْ بَيْنَ الْجُنْدِ يَنْظُرُ أَيُّ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَعَلَهُ «لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَتَلَ سَبْيَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَسَّمَ سَبَايَا أَوْطَاسٍ» فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالْإِمَامُ نَصَّبَ نَاظِرًا فَرُبَّمَا يَكُونُ النَّظَرُ فِي قَتْلِهِمْ لِمَعْنَى الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ لِلْعَدُوِّ وَلِيَأْمَنَ الْمُسْلِمُونَ فِتْنَتَهُمْ وَرُبَّمَا يَكُونُ النَّظَرُ فِي قِسْمَتِهِمْ لِيَنْتَفِعَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَيَخْتَارُ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ الْأَنْفَعُ وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُمْ بِدُونِ رَأْي الْإِمَامِ لِأَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَى رَأْيِهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْآسِرُ فِتْنَةً فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إلَى الْإِمَامِ وَلَيْسَ لِغَيْرِ مَنْ أَسَرَهُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ فَيَقْتُلُهُ» وَإِنْ كَانَ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْأَسِيرَ مَا لَمْ يُقَسِّمُ الْإِمَامُ مُبَاحُ الدَّمِ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَقَتْلُ مُبَاحِ الدَّمِ لَا يُوجِبُ ضَمَانَهُ فَإِنْ أَسْلَمُوا لَمْ يَقْتُلْهُمْ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَلِأَنَّ الْقَتْلَ لِدَفْعِ فِتْنَةِ الْكُفْرِ وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُ يُقَسِّمُهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِيهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقِسْمَةِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ بِالْأَخْذِ وَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْأَرِقَّاءِ وَالْإِسْلَامُ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الرِّقِّ وَالْقِسْمَةُ لِتَعْيِينِ الْمِلْكِ لَا أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الِاسْتِرْقَاقِ فَإِسْلَامُهُمْ لَا يَمْنَعُ

(1) - المغني لابن قدامة (9/ 220)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت