مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا وَلَكِنَّهُمْ ادَّعَوْا أَمَانًا فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: قَدْ كُنَّا أَمِنَّاهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ فَلَا يُصَدَّقُونَ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَوْلُهُمْ هَذَا إقْرَارٌ لَا شَهَادَةَ فَإِنَّهُمْ أُخْبِرُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَمَنْ أُخْبِرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ كَانَ مُتَّهَمًا فِي خَبَرِهِ فَلَا يُصَدَّقُ وَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ عَلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ أَسَرُوهُمْ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ إنْ كَانُوا مِنْ الْجُنْدِ فَفِي شَهَادَتِهِمْ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْجُنْدِ فَلَيْسَ فِي شَهَادَتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ وَإِذَا انْتَفَتْ التُّهْمَةُ فَالثَّابِتُ بِالشَّهَادَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.
وَلَا يُقْتَلُ الْأَعْمَى وَلَا الْمُقْعَدُ وَالْمَعْتُوهُ مِنْ الْأَسَارَى لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْتَلُ مَنْ يُقَاتِلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَاتِلُوهُمْ} [البقرة:193] وَالْمُفَاعَلَةُ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَمَّا «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - امْرَأَةً مَقْتُولَةً قَالَ: هاه مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُقْتَلُ مِنْ الْأَسَارَى مَنْ يُقَاتِلُ وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ وَالْمَعْتُوهُ لَا يُقَاتِلُونَ أَحَدًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَارِضًا فَقَدْ انْدَفَعَ بِالْأَسْرِ فَلَا يُقْتَلُونَ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ مِنْهُمْ إذَا قَاتَلَتْ فَأُسِرَتْ لَا تُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ." [1] "
وهل يجوز لغير الإمام قتل الأسير؟
الراجح عدم جواز ذلك إلا لضرورة، كأن يستعصي الأسير ولم يقدر على أخذه بدون قتله، أو أنه قد أثخن بالجراحة فلا يقدر على السير ولم يقدر المسلمون على حمله، أو أنه قد بالغ في إيذاء أهل الإسلام، ويكون في قتله زجر لأمثاله)
ففي المغني لابن قدامة:"وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ أَسِيرًا، فَالْخِيرَةُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدْ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَقْتُلُ أَسِيرَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَالِي. فَمَفْهُومُهُ أَنَّ لَهُ قَتْلَ أَسِيرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ ابْتِدَاءً، فَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ دَوَامًا، كَمَا لَوْ هَرَبَ مِنْهُ أَوْ قَاتَلَهُ. فَإِنْ امْتَنَعَ الْأَسِيرُ أَنْ يَنْقَادَ مَعَهُ، فَلَهُ إكْرَاهُهُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إكْرَاهُهُ، فَلَهُ قَتْلُهُ."
(1) - المبسوط للسرخسي (10/ 63)