وَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَ هَرَبَهُ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا. وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الِانْقِيَادِ مَعَهُ، لِجُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا. وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ قَتْلِهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، كَمَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ، فَتَعَيَّنَ الْقَتْلُ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ إذَا أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ، وَكَجَرِيحِهِمْ إذَا لَمْ يَأْسِرْهُ.
فَأَمَّا أَسِيرُ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَتَعَاطَيَنَّ أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ إذَا أَخَذَهُ فَيَقْتُلُهُ» .رَوَاهُ سَعِيدٌ. فَإِنْ قَتَلَ أَسِيرَهُ، أَوْ أَسِيرَ غَيْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَسَاءَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ غَرِمَ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَ امْرَأَةً.
وَلَنَا، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، أَسَرَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَابْنَهُ عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَآهُمَا بِلَالٌ، فَاسْتَصْرَخَ الْأَنْصَارَ عَلَيْهِمَا حَتَّى قَتَلُوهُمَا، وَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا. وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَمْ يَغْرَمْهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، فَلَمْ يَغْرَمْهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ كَلْبًا، فَأَمَّا إنْ قَتَلَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، غَرِمَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ. [1]
ما يقوله إذا رأى ملامح النصر:
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) } [الصافات:171 - 177] .
والوعد واقع وكلمة الله قائمة. ولقد استقرت جذور العقيدة في الأرض وقام بناء الإيمان، على الرغم من جميع العوائق، وعلى الرغم من تكذيب المكذبين، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمتبعين. ولقد ذهبت عقائد المشركين والكفار. وذهبت سطوتهم ودولتهم وبقيت العقائد التي جاء بها الرسل. تسيطر على قلوب الناس وعقولهم، وتكيف
(1) - المغني لابن قدامة (9/ 225)