فهرس الكتاب

الصفحة 3250 من 3472

أَهْلِ الْقَلِيبِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» ، وَلَا فِي إِنْكَارِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَوْلِهِ لِأَصْحَابِهِ مُخْبِرَهُمْ عَنِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ: «إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، مُحْتَمِلًا مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا سِوَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْمُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُ لَا مَيِّتَ يَسْمَعُ مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ شَيْئًا. فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى بِطَاقَتِكَ وَقُدْرَتِكَ، إِذْ كَانَ خَالِقُ السَّمْعِ غَيْرَكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُوَ الَّذِي يُسْمِعُهُمْ إِذَا شَاءَ، إِذْ كَانَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [النمل: 81] . وَذَلِكَ أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقَ لِلرَّشَادِ بِيَدِ اللَّهِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، فَنَفَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يُسْمِعَ الْمَوْتَى إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، كَمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى هِدَايَةِ الضُّلَّالِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِسْمَاعِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 22] ، ثُمَّ نَفَى عَنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الْقُدْرَةَ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ وَأَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسْمِعُهُمْ دُونَكَ، وَبِيَدِهِ الْإِفْهَامُ وَالْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ، وَإِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ، فَبَلِّغْ مَا أَرْسِلْتَ بِهِ. فَهَذَا أَحَدُ أَوْجُهِهِ , وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى إِسْمَاعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الْأَعْمَالُ، وَخَرَجُوا مِنْ دَارِ الْأَعْمَالِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ دُعَاؤُكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبَ رَبُّكَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لَا يُسْمِعُهُمْ دُعَاؤُكَ إِلَى الْحَقِّ إِسْمَاعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ خَتَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا، كَمَا خَتَمَ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى مَسَاكِنِهِمْ مِنَ الْقُبُورِ إِيمَانٌ وَلَا عَمَلٌ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ امْتِحَانٍ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ مُجَازَاةٍ، وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وجُوهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت