الْمَعَانِي. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا مِنَ الْمَعَانِي مَا وَصَفْنَا، فَلَيْسَ لِمُوَجِّهِهِ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَيِّتٌ شَيْئًا بِحَالٍ حُجَّةٌ، إِذْ كَانَ لَا خَبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُصَحِّحُهُ، وَلَا فِي الْفِعْلِ شَاهِدٌ بِحَقِيقَتِهِ، بَلْ تَأْوِيلُ مُخَالِفِيهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِمَا رُوِّينَا عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ، عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ عَنْهُ الْآثَارُ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلَهُ لَهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، لَمَّا كَانَ عَامًّا ظَاهِرُهُ فِي كُلِّ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَفِي جَمِيعِ الْمَوْتَى، مِنْ غَيْرِ خُصُوصِ بَعْضٍ مِنْهُمْ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعُوا فِي حَالِ مَا هُمْ فِي الْبَرْزَخِ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَقَدْ ظَنَّ غَيْرَ الصَّوَابِ [ص:521] . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ بَيَانَ مَا نَزَلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ ذَكَرَ حَالَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي قُبُورِهِمَا حِينَ يُسْأَلَانِ عَنْ دِينِهِمَا: أَنَّهُمَا يَسْمَعَانِ خَفْقَ نِعَالِ مُتَّبِعِي جَنَائِزِهِمَا إِذَا وَلَّوْا عَنْهُمَا مُدْبِرِينَ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلَهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، مَعْنِيٌّ بِهِ إِسْمَاعُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ جَمِيعِهَا، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: قَدْ يَسْمَعُونَ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» ، إِنَّهُ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ، إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ: قَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا قُلْتَ، بِمَعْنَى: فَهِمْتُ عَنْكَ مَا قُلْتَ، وَاسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ، بِمَعْنَى: افْهَمْ عَنِّي مَا أَقُولُ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ ذَلِكَ لَوْ وَجَّهْنَاهُ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي قُلْتُهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِي أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ السَّمَاعَ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إِنْ قُلْنَا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، لَمْ يَخْلُ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ لَهُمْ عَنْ سَمَاعٍ مِنْهُمْ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، أَوْ عَنْ خَبَرٍ أُخْبِرُوا بِهِ فِي قُبُورِهِمْ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ قَوْلُنَا فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يُسْمِعُ