فهرس الكتاب

الصفحة 3268 من 3472

اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَايِعْ عَبْدَ اللهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ:"أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إلَى هَذَا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلَهُ فَقَالُوا:"مَا دَرَيْنَا يَا رَسُولَ اللهِ مَا فِي نَفْسِكَ، فَهَلَّا أَوْمَأْتَ إلَيْنَا بِعَيْنِكَ فَقَالَ:"إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ عَيْنٍ" [1]

قال ابن حجر:"والجَواب المُستَقِيم أَن تَقُول: المَنع مُطلَقًا مِن خَصائِص النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَلا يَتَعاطَى شَيئًا مِن ذَلِكَ وإِن كانَ مُباحًا لِغَيرِهِ، ولا يُعارِض ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن أَنَّهُ كانَ إِذا أَرادَ غَزوة ورَّى بِغَيرِها، فَإِنَّ المُراد أَنَّهُ كانَ يُرِيد أَمرًا فَلا يُظهِرهُ كَأَن يُرِيد أَن يَغزُو جِهَة الشَّرق فَيَسأَل عَن أَمر فِي جِهَة الغَرب، ويَتَجَهَّز لِلسَّفَرِ فَيَظُنّ مَن يَراهُ ويَسمَعهُ أَنَّهُ يُرِيد جِهَة الغَرب، وأَمّا أَن يُصَرِّح بِإِرادَتِهِ الغَرب وإِنَّما مُراده الشَّرق فَلا، والله أَعلَم." [2]

وقال القاري:"قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} [غافر:19] الْخَائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ كَالنَّظْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمُحَرَّمِ، وَاسْتِرَاقُ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الرِّيَبِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُرَادَ الْخَائِنَةُ مِنَ الْأَعْيُنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ قَوْلُهُ: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) :أَيْ: وَمَا تُسِرُّهُ مِنْ أَمَانَةٍ أَوْ خِيَانَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ بِشَهْوَةٍ مُسَارَقَةً، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ بِقَلْبِهِ فِي جَمَالِهَا، وَلَا يَعْلَمُ بِنَظْرَتِهِ وَفِكْرَتِهُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ."

(1) - شرح مشكل الآثار (4/ 157) (1506) وشرح معاني الآثار (3/ 330) (5475) ومصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (20/ 474) (38068) والسنن الكبرى للنسائي (3/ 443) (3516) وسنن أبي داود (3/ 59) (2683) صحيح

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ شوال كَانَ أَمَرَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ الرِّجَالِ الْمُسَمَّيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِمْ أَمْرًا مُطْلَقًا ثُمَّ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ بِإِسْلَامِهِمَا فَحَقَنَ ذَلِكَ دِمَاءَهُمَا وَقُتِلَ الْآخَرَانِ عَلَى مَا قُتِلَا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي ثَبَتَا عَلَيْهِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ شوال كَانَ فِيهِمْ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِمْ مُسْتَثْنًى مِنْ خُرُوجِهِمْ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أَمَرَ مِنْ أَجْلِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِمْ إلَى ضِدِّهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَكَانَ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً بِالشَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَثْنَ بِاللِّسَانِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ كَذَلِكَ تَكُونُ أُمُورُ الْأَئِمَّةِ بِالْعُقُوبَاتِ مُسْتَثْنًى مِنْهَا مَا يَرْفَعُ الْعُقُوبَاتِ بِالشَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَبِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ""

وقال البغوي:"وَمعنى خَائِنَة الْأَعْين: أَن يُومي بِعَيْنِه خلاف مَا يظْهر، فَتكون تِلْك الْخِيَانَة من قبل الْعين، فأضيفت إِليْها، قَالَ صَاحب التَّلْخِيص: فِي تَحْرِيم خِيَانَة الْأَعْين عليْهِ كالدليل على أنّهُ لمْ يكن لهُ فِي الْحَرْب خدعة، وَلَيْسَ كذلِك، بل كَانَ مُبَاحا لهُ كالتورية فِي الْغَزْو. قَالَ الإِمامُ: أما فِي غيْر الْحَرْب، ومكايدة الْعَدو، كَانَ يحرم عليْهِ شوال خَائِنَة الْأَعْين، وهِي أَن يُشِير إِلى مُبَاح من غيْر أَن يظهره من ضرب، أوْ قتل، أوْ نَحوه مِمَّا يحل أَن ينْطق بِهِ، وَلَا يحرم ذلِك على الْأمة إِلَّا فِي شرح السنة للبغوي (11/ 43) "

(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 159)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت