وحتى وإن قصد بالتربية الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله تعالى - وهذا داخل في مفهوم التربية وليس كل التربية - فإن الجهاد أفضل من يحقق هذا في العبد، فالمجاهد يتوقع في كل لحظة أن تغادر روحه جسده ويلقى ربه عز وجل بل هو يتوق إلى ذلك لعلمه بما أعد الله تعالى للشهداء في سبيله، ومن كانت هذه حاله فلا تسأل عن زهده في الدنيا وتعلقه بالدار الآخرة.
ثم لنفترض أن التربية التي ينادي بها البعض هي بالمفهوم الحق وهو الإعداد بشقيه المادي والمعنوي، فإن هذا الإعداد مضبوط بأحكام الشرع وفق فهم بصير بالواقع، لذلك فإن هذا الإعداد إذا رجع على أصله (وهو الجهاد) بالنقض والإبطال فهو من هذه الجهة باطل، فكل (تكملة من حيث هي تكملة إذا رجعت على أصلها بالإبطال فهي باطلة) ،وهذا كرجل يستعد للصلاة بالوضوء والسواك وقد أقيمت الصلاة وهو لا يزال يتسوك بحجة الاستعداد للصلاة.
وقد جعل الله سبحانه الإعداد الحق فارقًا وفيصلًا بين الإيمان والنفاق فالمنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم زعموا أنهم يريدون الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم للغزو والجهاد في سبيل الله تعالى، فكذّبهم الله تعالى وفضح حقيقة أمرهم وجعل الإعداد للجهاد والخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم علامة على صدق الرجل من كذبه كما قال عز وجل {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:46] ،والإعداد لأي أمر يكون بالشيء الذي يتعلق به ويتوقف عليه، فأين هذا ممن ينكر على تعلم آلة الجهاد وتعويد النفس على المشاق، وتنظيم الصفوف وتحريض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله تعالى؟
ومما زاد الأمر سوءًا وبعدًا عن المفهوم الصحيح للإعداد والتزكية أن هذا الإعداد أصبح حجة كل قاعد ودليل كل مثبط، وصار مرحلة زمنية مفتوحة لا تحدها حدود ولا تضبطها ضوابط.
ولابد هنا من الإشارة إلى أمر مهم وهو أن دين الله مبرّؤٌ عن التناقض، وكتابه سبحانه هو الحق الذي يصدق بعضه بعضًا وقد جعل الله عزّ وجلّ التناقض والاختلاف أمرًا ثابتًا