فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 3472

وجْه الصّغار والذّلّة، فغيْر جائز على هذه القضية أن تكون لهمْ ذمّةٌ إذا تسلّطوا على الْمسْلمين بالْولايات ونفاذ الْأمْر والنّهْي، إذْ كان اللّه إنّما جعل لهمْ الذّمّة وحقن دماءهمْ بإعْطاء الْجزْية وكوْنهمْ صاغرين. فواجبٌ على هذا قتْل منْ تسلّط على الْمسْلمين بالْغصوب، وأخْذ الضّرائب، والظّلْم سواءٌ كان السّلْطان ولّاه ذلك أوْ فعله بغيْر أمْر السّلْطان وهذا يدلّ على أنّ هؤلاء النّصارى الّذين يتولّوْن أعْمال السّلْطان وظهر منْهمْ ظلْمٌ واسْتعْلاءٌ على الْمسْلمين، وأخْذ الضّرائب لا ذمّة لهمْ وأنّ دماءهمْ مباحةٌ، وإنْ كان آخذو الضّرائب ممّنْ ينْتحل الْإسْلام والْقعود على الْمراصد لأخْذ أمْوال النّاس يوجب إباحة دمائهمْ إذْ كانوا بمنْزلة قطّاع الطّريق، ومنْ قصد إنْسانًا لأخْذ ماله، فلا خلاف بيْن الْفقهاء أنّ له قتْله. وكذلك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:"منْ طلب ماله فقاتل فقتل فهو شهيدٌ"وفي خبرٍ آخر:"منْ قتل دون ماله فهو شهيدٌ، ومنْ قتل دون أهْله فهو شهيدٌ ومنْ قتل دون دمه فهو شهيدٌ"فإذا كان هذا حكْم منْ طلب أخْذ مال غيْره غصْبًا وهو ممّنْ ينْتحل الْإسْلام فالذّمّيّ إذا فعل ذلك اسْتحقّ الْقتْل منْ وجْهيْن: أحدهما: ما اقْتضاه ظاهر الْآية منْ وجوب قتْله، والْآخر: قصْده الْمسْلم بأخْذ ماله ظلْمًا.

قال اللّه تعالى: {قاتلوا الّذين لا يؤْمنون باللّه} إلى قوْله: {حتّى يعْطوا الْجزْية عنْ يدٍ وهمْ صاغرون} ; فأوْجب قتالهمْ، وجعل إعْطاء الْجزْية غايةً لرفْعه عنْهمْ; لأنّ {حتّى} غايةٌ، هذا حقيقة اللّفْظ، والْمفْهوم منْ ظاهره، ألا ترى أنّ قوْله: {ولا تقْربوهنّ حتّى يطْهرْن} [البقرة:222] قدْ حظر إباحة قرْبهنّ إلّا بعْد وجود طهْرهنّ. وكذلك الْمفْهوم منْ قوْل الْقائل:"لا تعْط زيْدًا شيْئًا حتّى يدْخل الدّار"منع الْإعْطاء إلّا بعْد دخوله، فثبت بذلك أنّ الْآية موجبةٌ لقتال أهْل الْكتاب مزيلةٌ ذلك عنْهمْ بإعْطاء الْجزْية، وهذا يدلّ على أنّ الْجزْية قدْ وجبتْ بعقْد الذّمّة، وكذلك كان يقول أبو الْحسن الْكرْخيّ; وذكر ابْن سماعة عنْ أبي يوسف قال:"لا تؤْخذ منْ الذّمّيّ الْجزْية حتّى تدْخل السّنة، ويمْضي شهْران منْها بعْض ما عليْه بشهْريْن، ونحْو ذلك يعامل في الْجزْية، بمنْزلة الضّريبة كلّما كان يمْضي شهْران أوْ نحْو ذلك أخذتْ منْه".قال أبو بكْرٍ: يعْني بالضّريبة الْأجْرة في الْإجارات; قال أبو يوسف:"ولا يؤْخذ ذلك منْه حين تدْخل السّنة، ولا يؤْخذ ذلك منْه حتّى تتمّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت