السّنة، ولكنْ يعامل ذلك في سنته".قال أبو بكْرٍ: ذكْره للشّهْريْن إنّما هو توْفيةٌ، وهي واجبةٌ بإقْرارنا إيّاه على الذّمّة، لما تضمّنه ظاهر الْآية. وذكر ابْن سماعة عنْ أبي يوسف عنْ أبي حنيفة أنّه قال في الذّمّيّ:"يؤْخذ منْه خراج رأْسه في سنته ما دام فيها، فإذا انْقضتْ السّنة لمْ يؤْخذْ منْه".وهذا يدلّ منْ قوْل أبي حنيفة على أنّه رآها واجبةً بعقْد الذّمّة لهمْ، وأنّ تأْخيرنا بعْض السّنة إنّما هو توْفيةٌ للْواجب وتوْسعةٌ. ألا ترى أنه قال:"فإذا انْقضتْ السّنة لمْ تؤْخذْ منْه"؟ لأنّ دخول السّنة الثّانية يوجب جزْيةً أخْرى، فإذا اجْتمعتا سقطتْ إحْداهما. وعنْ أبي يوسف ومحمّدٍ:"اجْتماعهما لا يسْقط إحْداهما"."
وجْه قوْل أبي حنيفة أنّ الْجزْية واجبةٌ على وجْه الْعقوبة لإقامتهمْ على الْكفْر مع كوْنهمْ منْ أهْل الْقتال، وحقّ الْأخْذ فيها إلى الْإمام، فأشْبهتْ الْحدود، إذْ كانتْ مسْتحقّةً في الْأصْل على وجْه الْعقوبة، وحقّ الْأخْذ إلى الْإمام، فلمّا كان اجْتماع الْحدود منْ جنْسٍ، واحدٍ يوجب الاقْتصار على واحدٍ منْهما مثْل أنْ يزْني مرارًا أوْ يسْرق مرارًا ثمّ يرْفع إلى الْإمام فلا يجب إلّا حدٌّ واحدٌ بجميع الْأفْعال، كذلك حكْم الْجزْية إذْ كانتْ مسْتحقّةً على وجْه الْعقوبة بلْ هي أخفّ أمْرًا، وأضْعف حالًا منْ الْحدود; لأنّه لا خلاف بيْن أصْحابنا أنّ إسْلامه يسْقطها، ولا تسْقط الْحدود بالْإسْلام.
فإنْ قيل: لمّا كان ذلك ديْنًا، وحقًّا في مال الْمسْلمين لمْ يسْقطْه اجْتماعه، كالدّيون وخراج الْأرضين. قيل: له: خراج الْأرضين ليْس بصغارٍ ولا عقوبةٍ، والدّليل عليْه أنّه يؤْخذ منْ الْمسْلمين، والْجزْية لا تؤْخذ منْ مسْلمٍ. وقدْ روي نحْو قوْل أبي حنيفة عنْ طاوسٍ، وروى ابْن جريْجٍ عنْ سليْمان الْأحْول عنْ طاوسٍ قال:"إذا تداركتْ صدقاتٌ فلا تؤْخذ الْأولى كالْجزْية".
وقدْ اخْتلف الْفقهاء في الذّمّيّ إذا أسْلم، وقدْ وجبتْ عليْه جزْيةٌ هلْ يؤْخذ بها؟ فقال أصْحابنا:"لا يؤْخذ"،وهو قوْل مالك وعبيْد اللّه بْن الْحسن. وقال ابْن شبْرمة والشّافعيّ:"إذا أسْلم في بعْض السّنة أخذ منْه بحساب ذلك".والدّليل على أنّ الْإسْلام يسْقط ما وجب منْ الْجزْية قوْله تعالى: {قاتلوا الّذين لا يؤْمنون باللّه} إلى قوْله: {حتّى يعْطوا الْجزْية عنْ يدٍ وهمْ صاغرون} فانْتظمتْ هذه الْآية الدّلالة منْ وجْهيْن على صحّة