ويختم السورة بصورة الفريق الآخر. الذين جاهدوا في اللّه ليصلوا إليه ويتصلوا به. الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا. الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس. الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب .. أولئك لن يتركهم اللّه وحدهم ولن يضيع إيمانهم، ولن ينسى جهادهم. إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم. وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم. وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم. وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء: «والّذين جاهدوا فينا لنهْدينّهمْ سبلنا. وإنّ اللّه لمع الْمحْسنين» [1] ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولهذا كان الْجهاد موجبًا للْهداية الّتي هي محيطةٌ بأبْواب الْعلْم. كما دلّ عليْه قوْله تعالى: {والّذين جاهدوا فينا لنهْدينّهمْ سبلنا} فجعل لمنْ جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الْإمامان عبْد اللّه بْن الْمبارك وأحْمد بْن حنْبلٍ وغيْرهما: إذا اخْتلف النّاس في شيْءٍ فانْظروا ماذا عليْه أهْل الثّغْر فإنّ الْحقّ معهمْ؛ لأنّ اللّه يقول: {والّذين جاهدوا فينا لنهْدينّهمْ سبلنا} [2] "
وفي قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام:
في بيان تقْسيم الْمصالح والْمفاسد
الْمصالح والْمفاسد أقْسامٌ:
أحدها: ما تعْرفه الْأذْكياء والْأغْبياء
الثّاني ما يخْتصّ بمعْرفته الْأذْكياء، الثّالث ما يخْتصّ بمعْرفته الْأوْلياء، لأنّ اللّه تعالى ضمن لمنْ جاهد في سبيله أنْ يهْديه إلى سبيله فقال: {والّذين جاهدوا فينا لنهْدينّهمْ سبلنا} [العنكبوت:69] ،ولأنّ الْأوْلياء يهْتمّون بمعْرفة أحْكامه وشرْعه فيكون بحْثهمْ عنْه أتمّ واجْتهادهمْ فيه أكْمل، مع أنّ منْ عمل بما يعْلم ورّثه اللّه علْم ما لمْ يعْلمْ. وكيْف يسْتوي الْمتّقون والْفاسقون؟ لا واللّه لا يسْتوون في الدّرجات ولا في الْمحْيا ولا في الْممات. والْعلماء ورثة الْأنْبياء، فينْبغي أنْ يعْرضوا عنْ الْجهلة الْأغْبياء الّذين يطْعنون في
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3502)
(2) - مجموع الفتاوى [28/ 442]