تعالى: {فإنْ زللْتمْ منْ بعْد ما جاءتْكم الْبيّنات} أي: على علم ويقين {فاعْلموا أنّ اللّه عزيزٌ حكيمٌ} .وفيه من الوعيد الشديد، والتخويف، ما يوجب ترك الزلل، فإن العزيز القاهر الحكيم، إذا عصاه العاصي، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته، تعذيب العصاة والجناة. [1]
هذه عدة كريمة للذين استجابوا لله وللرسول، فدخلوا في دين الله، وأصبحوا في أمة المؤمنين .. وتحمل هذه الدعوة إليهم أن يدخلوا في السّلم كافة، والسّلم هو الإسلام والسلام والأمن، وقد دخل المسلمون في الإسلام، وبقي عليهم أن يحصّلوا السّلام والأمن، وذلك بالتطبيق العملي لدعوة الإسلام، والرعاية الكاملة لأوامره ونواهيه، فهذا هو الذي يحقق للمسلم ثمرة الإسلام، فيجد في ظلّها السلام مع نفسه ومع الناس، ويستشعر في كيانه طمأنينة الرضا، وثلج الرضوان، بما رعى من حقوق الناس، وببد أدّى من حقوق الله!.
وفى قوله تعالى: «فإنْ زللْتمْ منْ بعْد ما جاءتْكم الْبيّنات فاعْلموا أنّ اللّه عزيزٌ حكيمٌ» تحذير من وساوس الشيطان، الذي يعمل بكل حوله وحيلته، على أن يغوى المستقيم، ويضل المهتدى، فليس لهجماته على الإنسان موعد، بل إنه هو الذي يتخيّر الفرصة المواتية، ويتفقد أضعف المواقع في الإنسان لينفذ إليه منها، ويعمل أسلحته فيها. وليس مثل زلّة من عرف الحق، وارتفعت لعينيه أمارات الهداية، وأعلام الهدى .. إنّها زلّة مزلزلة، وسقطة قانلة، قلّ أن يسلم منها الإنسان إلا إذا استجمع كل قوته وإرادته، وإلا إذا استدعى غائب رشده، وعازب حكمته، وإلا إذا ذكر أنّه إنسان مهيأ للسموّ، بما فيه من نفحات علوية من عزيز حكيم، منه تستمد العزة والحكمة .. فليطلبهما الإنسان في هذا الموطن، الذي إن استسلم فيه للهزيمة هوى إلى مرتبة الحيوان، وإن جاهد وانتصر ارتفع إلى ما فوق الإنسان!. [2]
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 94)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (1/ 230)