والتّعْبير عنْهمْ بوصْف الْمسْتهْزئين إيماءٌ إلى أنّه كفاه اسْتهْزاءهمْ وهو أقلّ أنْواع الْأذى، فكفايته ما هو أشدّ منْ الاسْتهْزاء من الْأذى مفْهومٌ بطْريق الْأحْرى.
وتأْكيد الْخبر ب (إنّ) لتحْقيقه اهْتمامًا بشأْنه لا للشّكّ في تحقّقه.
والتّعْريف في الْمسْتهْزئين للْجنْس فيفيد الْعموم، أيْ كفيْناك كل مستهزء. وفي التّعْبير عنْهمْ بهذا الْوصْف إيماءٌ إلى أنّ قصارى ما يؤْذونه به الاسْتهْزاء، كقوْله تعالى: لنْ يضرّوكمْ إلّا أذىً [سورة آل عمران:111] ،فقدْ صرفهم اللّه عنْ أنْ يؤْذوا النبي صلى الله عليه وسلم بغيْر الاسْتهْزاء. وذلك لطْفٌ من اللّه برسوله صلى الله عليه وسلم .
ومعْنى الْكفاية تولّي الْكافي مهمّ الْمكْفيّ، فالْكافي هو متولّي عملٍ عنْ غيْره لأنّه أقْدر عليْه أوْ لأنّه يبْتغي راحة الْمكْفى. يقال: كفيْت مهمّك، فيتعدّى الْفعْل إلى مفْعوليْن ثانيهما هو الْمهمّ الْمكْفي منْه. فالْأصْل أنْ يكون مصْدرًا فإذا كان اسْم ذاتٍ فالْمراد أحْواله الّتي يدلّ عليْها الْمقام، فإذا قلْت: كفيْتك عدوّك، فالْمراد: كفيْتك بأْسه، وإذا قلْت: كفيْتك غريمك، فالْمراد: كفيْتك مطالبته. فلمّا قال هنا كفيْناك الْمسْتهْزئين فهم أنّ الْمراد كفيْناك الانْتقام منْهمْ وإراحتك من اسْتهْزائهمْ. وكانوا يسْتهْزئون بصنوفٍ منْ الاسْتهْزاء كما تقدّم. [1]
الصدع: أصله الشقّ في المواد الجامدة .. ومنه قوله تعالى: «لوْ أنْزلْنا هذا الْقرْآن على جبلٍ لرأيْته خاشعًا متصدّعًا منْ خشْية اللّه» (21:الحشر) .
والمراد بالصدع الذي أمر به النبي هنا، هو أن يكشف عما أوحى إليه من ربّه، وأن يظهره للناس، ويبلغه إياهم .. والتعبير عن هذا بالصدع، يشير إلى أمرين:
فأولا: أن هذه المهمة التي يقوم بها النبي مهمة شاقة عسيرة، من شأنها أن يتصدع لها كيان الإنسان، كما تتصدع الأرض حين تنشق عن النيات المخبوء في صدرها .. كما يقول جل شأنه: «والسّماء ذات الرّجْع، والْأرْض ذات الصّدْع» (11 - 12:الطارق) ،وإلى ثقل هذه المهمّة يشير قوله تعالى:
(1) - التحرير والتنوير (14/ 88)